إذا كانت أيادي نظام صدام حسين البائد ملوثة بدماء آلاف الأبرياء من أبناء العراق، وهي كذلك، فما الذي تغير في الحالة العراقية بعد الغزو الأمريكي لذلك البلد، والذي جاء رافعاً راية الديمقراطية والحرية ومبشراً بعهد جديد من الرخاء والاستقرار؟

إن نظرة عاجلة إلى المشهد العراقي تبين أن الأمور زادت سوءاً عشرات المرات، وأن المستقبل الذي ينتظر العراق بعد "استقرار" الأمور فيه ورحيل القوات الأجنبية عنه قد يكون أسوأ مما عليه الوضع الحالي، بل وربما يكون قد تقسم إلى أجزاء متناحرة لا يخدم وجودها سوى المصلحة الأمريكية في النهاية.

ولعل ما تم كشفه أخيراً عن وجود عشرات المعتقلين من أبناء الطائفة السنية في أحد أقبية وزارة الدفاع العراقية وقد تعرضوا لأشد أنواع التعذيب يكشف زيف ادعاءات الحكومة الحالية.

أو بعض أركانها على الأقل، من أنها تسعى لإيجاد تفاهم بين جميع الأطياف في الشارع العراقي، وأن هناك بالفعل ضغوطات تمارسها بعض الجهات الرسمية العراقية بمباركة أمريكية على الطائفة السنية تتعدى مجرد فرض حظر التجول في مناطقها واعتقال بعض رموزها وإهانتهم بين الحين والآخر قبل إطلاق سراحهم من جديد.

إن "التنافس" بين ممارسات قوات الاحتلال الأمريكي في سجون أبوغريب والمعتقلات الأخرى التي تسيطر عليها بشكل مباشر وبين الفضائح التي ترتكبها قوات الأمن العراقية لن يخدم صورة الاحتلال الأمريكي ولا الحكومة العراقية ولا الرسالة التي تحاول الولايات المتحدة إيصالها إلى المجتمع الدولي من أنها راعية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في العالم.

لذلك فإن على الحكومة العراقية أن تجري تحقيقاً فعلياً فيما حدث، خاصة وأنه كان يتم في أحد المباني الرسمية التابعة لوزارة الدفاع، وأن تحاسب المسؤولين عن تلك الممارسات بمسؤولية وشفافية تتعدى إلقاء اللوم على ضابط صغير هنا أو جندي هناك كما فعلت القوات الأمريكية بعد فضيحة أبوغريب.

ليس هناك شك أن الكثير من أعضاء الحكومة العراقية ومسؤوليها فوجئوا بما تم كشفه من حالات التعذيب الأخيرة، وأنهم لا يرضون عن هذه الممارسات ويدينونها، لكن مواقفهم يجب أن تتعدى مجرد التصريحات، وإبداء الأسى لما حدث والوعود بالنظر في الأمر إلى ممارسات فعلية تعالج الموقف بشفافية وفعالية ترضي جميع العراقيين وتقنعهم بأن ما حدث لم يكن إلا حالة معزولة.