والله يعتبر إنجاب الأطفال في بعض الحالات جريمة لا تقل خطورة عن جريمة القتل العمد، والمرء يتساءل عن سبب تأخر المشرع في وضع قانون يطبق على الوالدين غير الجديرين ببقاء الطفل معهما، بأخذه منهما وتسليمه لأسرة أخرى تبحث عن أطفال تربيهم.
فحتى لو كانت هذه العقوبة قاسية وسيئة، فإن بقاء الطفل، وهو ليس ملكاً للوالدين، بل إنساناً له شخصيته وكرامته ومستقبله، فإن بقاءه مع والدين غير جديرين يعتبر أسوأ وأكثر كارثية وخطورة.
الأب يتعلل بأن التربية عمل الأم، وهو مشغول بكسب لقمة العيش، وهو في كل الأحوال ليس المعني الأول بالتربية، وبالتالي هو الملام الثاني أو الشريك، بينما الأم التي تترك وظيفتها للخادمة، تعتبر الملام الأول والمتهمة الرئيسية.
حجج هذه النوعية من الأمهات متهافتة لا تصمد أمام سيل الحقائق، فهي إما تريد تحقيق كيانها الذي لا يتحقق إلا خارج المنزل. وفعلاً تحقق كيانها لكن أولادها يدخلون السجون أو يصبحون مجرمين حتى لو لم تتشرف السجون باستضافتهم، فالقسوة إجرام، والغلظة إجرام، والخبل العاطفي إجرام، وعدم إطاعة الوالدين بداية الضياع، وهذا سلوك طبيعي لمن فقد الحنانين، بالأب المشغول والأم ذات الكيان.
وهي إما تريد خدمة المجتمع وإعطاء الوطن شيئاً بسيطاً مقابل عطاء الوطن غير المحدود، وهذا الكلام إن لم يكن (فاضي) فهو فارغ، فأعظم خدمة تقدمها الأم وأفضل عطاء هو تخريج جيل يمكن الاعتماد عليه والوثوق به، جيل معافى جسدياً ونفسياً.
وهي إما تسعى إلى تحسين وضع الأسرة المادي وزيادة دخلها، ولا تدري أن الأموال التي ستصرفها على علاج أطفالها، بعد أن يكبروا ويصبحوا مدمني مخدرات أو معقدين نفسياً أو منبوذين اجتماعياً، أكبر بكثير من المعاش الذي تتقاضاه، ثم ما فائدة المال حين تضيع النفس؟
والكارثة أن بعض الأزواج، وما هم بأزواج، هم الذين يصرون على عمل زوجاتهم وترك وظيفة الأمومة لامرأة أخرى، وذلك بحجة المساعدة في أعباء المنزل المادية التي يفترض أن يكون هو وحده ولا أحد غيره مسؤولاً عنها، واتفاق الطرفين على ترك الولد هو أبشع ما في الأمر.
أما أكثر حجج الأمهات تداعياً هو أنهن اخترن العمل وإكمال الدراسة لأنهن لا يتحملن شقاوة أطفالهن وحشرتهم »إزعاجهم«، فكيف نتوقع أن تتحمل أم مستأجرة شقاوة الأطفال بينما التي خرج هؤلاء من وسط أحشائها لا تتحمل؟.
وبعد هذا كله نستغرب قسوة قلوب بعض الناس والعنف الذي يحملونه والكراهية التي يكنونها والإجرام غير الطبيعي، رغم أن هذه الأمور ما هي إلا ثمار لابتعاد الوالدين عن أبنائهم، سواء نتيجة طلاق شرعي أو طلاق طبيعي بانشغالهما عنهم وتركهم للمربية، وهذا ثابت بأرقام وإحصاءات ودراسات وليس افتراضاً أو تخيلاً. أضف إلى ذلك أنه من المتوقع حدوث هذا كله للطفل حتى لو كانت المربية بمثابة الأم، فما بالك لو كانت المربية خريجة سجون تعذيب؟.
وما الأولاد الذين لا يرحمون حتى آباءهم وأمهاتهم فيشتمونهم ويهينونهم ويضربونهم ويقتلونهم في بعض الحالات، سوى نتيجة منطقية وطبيعية لعدم تلقيهم التربية على يد آبائهم وأمهاتهم، وفي القرآن الكريم آية تقول: »وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً«، وليس كما أنجباني. فالإنجاب عملية بيولوجية يتقنها حتى التيوس وزوجاتهن من الماعز.
في كل لحظة وفي كل حركة وكل تلويحة ونظرة من الأبوين، وبخصوص الأم، يتعلم الطفل شيئاً أو يزيد من إحساسه ويرقق قلبه ويعطيه دفئاً وحناناً يحتاجه لينشأ مثل الناس، في إغفائه في حضن الأم، في تلقيمه الطعام، في إيقاظه للمدرسة، في غسل وجهه وأسنانه، في إلباسه الثياب، في الوقوف معه بانتظار الحافلة وفي استقباله عند العودة.. الخ.
الأم التي لا تؤمن بكل هذا ولا وقت لديها بسبب الانشغال بخدمة الوطن وتحقيق الكيان »الإسرائيلي«، عليها أن تسأل نفسها: وهل ضربني أحد وقال تزوجي؟ ثم هل ضربني أحد على بطني وقال أنجبي؟ هل يحتاج هؤلاء إلى تذكيرهم بمقولة سعيد صالح في مسرحية »العيال كبرت« معاتباً والديه: ما مشيتوهاش بوس ليه؟.