عندما طرحت الإدارة الأميركية مشروعها لإصلاح الشرق الأوسط الكبير كانت كل أدبياتها وبياناتها التي تروج لهذه الأفكار تتحدث عن الشراكة، وان كانت مجريات الأمور أظهرت بعد ذلك ان هذه الشراكة كانت نظرية فقط، وان كل ما يجري هو إعلاء ومحاولة للابتزاز والضغط، مع وجود ثغرة استثناءات »واسعة يمكن اقتحامها من باب تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.
وهكذا عكس منتدى المستقبل الذي عقد في العاصمة البحرينية يوم الاثنين الماضي حالة من انعدام الثقة في الأهداف الأميركية وأقرب حلفائها، وهي دولة ديمقراطية منذ عقود وعقود،
ونقصد مصر التي عرقلت مشروعاً أميركياً كان يقضي بفتح الحدود القانونية والإدارية والرقابية على تمويل هيئات المجتمع المدني الداعمة لأفكار الديمقراطية والاصلاح، بغض النظر عن حصولها على الاعتراف القانوني من عدمه، في وقت هي تعادي أحزاباً وحركات وطنية واسعة الانتشار والقواعد الشعبية لمجرد أنها تناهض إسرائيل.
المسؤولون الأميركيون استغربوا الموقف المصري الرافض لتقديم المعونات لمن هب ودب في ممارسة السياسة والمعارضة، التي باتت موضة في عالمنا العربي، مع اغراق الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا »المانحة« المساعدات والتحويلات لكل من فتح مكتباً وألصق على بابه احدى العبارات التالية: جمعية حقوق الإنسان، جمعية تنمية الديمقراطية، هيئة تنمية المجتمع المدني، مكتب أبحاث ودراسات استراتيجية، أو ادعى معارضته النظام (إذا كان مغضوباً على النظام بالطبع).
ولكن كان أحرى بالإدارة الأميركية ومسؤوليها المروجين لمشريع الاصلاح أن لا يستغربوا، فمن حق أي دولة أو نظام مراقبة تمويلات الأحزاب والحركات المعارضة له والتي تهدف إلى تنحيته عن سدة الحكم، ومن الأسباب الأخرى ان هذه الأموال كانت في كثير من الدول محركاً لانقلابات وثورات وقلاقل وفوضى.
دعم الاصلاح والحرية السياسية والاقتصادية في الشرق الاوسط، وتحديداً في عالمنا العربي، قناعة غربية عامة، ولكن ما يثير الاستغراب ان اميركا أخذت هذا الأمر على عاتقها.. والطريف في الأمر ان الصندوق الذي اقترح خلال ملتقى المنامة لدعم النشاطات السياسية كانت واشنطن ستجمع موجوداته من مصادر أميركية وأوروبية وعربية.
والسؤال، ما هي الدول العربية التي ستدفع لتمويل حركات سياسية في دول عربية أخرى ستستخدم لزعزعة الاستقرار، في منطقة باتت متخمة بالفوضى والاحتقان.
ومع كل الاعتراض على هذا المقترح، وهو مطبق أصلاً منذ سنوات، فإن أميركا تصر على اهانة الشركاء العرب باستعراض النموذج العراقي، وحتى الأفغاني، على انهما منارة الديمقراطية.. فإذا كان ما جرى في هذين البلدين هو الأنموذج التسويقي، فلتستبشر شعوب الدول العربية خيراً في تحسن أحوالهم المعيشية، كما تريد أميركا ودول أوروبا.
المستقبل الذي تريده أميركا لهذه المنطقة لا يبشر بخير، فإذا كان سايكس وبيكو قد قسما هذا الوطن الى 22 قطعة فإن جورج بوش في زمن الرجل الواحد سيجعلها 30 فأولى المآخذ على المشروع الأميركي كما قلنا حديثه عن الشراكة والتعاون الحقيقي مع الحكومات المستهدفة بالاصلاح وإذا به يستخدم أساليب الترهيب والضغط لفرض أجندته على الأنظمة الحليفة، والحرب والتدمير والتغيير على الأنظمة المعاندة.. فأهلاً.
nidal@albayan.ae