شاءت الأقدار أن يموت الرجل بنيران الإرهاب، هذا السرطان الخبيث والوباء القاتل الذي بذل العقاد كل جهوده وكل ما بوسعه ليفصله عن الحضارة الإسلامية والعربية وليبرأ الدين الإسلامي والمسلمين منه.

عمل المرحوم جاهدا ليقول للعالم ان الإسلام دين عظيم يقوم على القيم الإنسانية النبيلة وعلى الأخلاق الحميدة وعلى العلم والمعرفة والمساواة واحترام الآخر، والعدالة الاجتماعية، والحريات الفردية وحقوق الإنسان. العقاد أراد من خلال أعماله الإبداعية أن يخاطب الغرب بلغة الغرب وبأسلوب الغرب وبمنطق الغرب.

العقاد ابن حلب الطموح غادر سوريا في اتجاه هوليوود ليدرس مع الكبار حتى يستطيع أن يكون في مستواهم وينافسهم . وشاءت الأقدار أن يستقر في أميركا ويتجنس بالجنسية الأميركية، وعلى غرار إدوارد سعيد لم يذب العقاد في المادية الأميركية والمجتمع الاستهلاكي الأميركي، بل بقي دم العروبة والإسلام يجري في عروقه وبقي وفيا للجذور الحلبية حتى ان اغتالته أيادي الإرهاب في عمان.

رسالة العقاد رحمه الله كانت محاورة الآخر من خلال أفلامه وأعماله الإبداعية من أجل تسويق الصورة الحقيقية للعربي وللمسلم وللدين الحنيف، دين الحوار، دين التسامح، دين الحريات، دين احترام الإنسان واحترام الديانات الأخرى.

العقاد استطاع من خلال إبداعه السينمائي أن يقدم »الرسالة« للآخر بلغة الآخر حتى يفهم الدين الإسلامي بمعانيه المختلفة وبأبعاده الروحية والمادية والخلقية. استطاع العقاد كذلك من خلال فيلم »أسد الصحراء« ـــ عمر المختار ـــ أن يقدم نضال الشعب الليبي من خلال زعيم كان يرفض الذّل والإهانة واحتقار الآخر واستغلاله وتجهيله وتجويعه.

»أسد الصحراء« كان إسقاط على معاناة الشعب الفلسطيني من الهمجية الصهيونية والاغتصاب الإسرائيلي اليومي للكرامة ولإنسانية أطفال الحجارة. أطفال العفوية والبراءة الذين يخاطبون ضمير العالم من خلال الحجارة ليقولوا للبشرية جمعاء نريد أن نعيش مثل سائر أطفال العالم في كنف الحرية والكرامة والقيم الإنسانية. العقاد كان يدعو الأخر للحوار ولفهم العربي والمسلم.

لفهم هذا الشعب الذي يحب الحرية، ويحب السلام ويرفض الاستغلال والبطش والاستعمار والظلم. العقاد كان يريد من خلال أعماله الإبداعية أن يقول للآخر أن الدين الإسلامي يقيّم العلم والمعرفة والعقل ويّمجد الحق والعدل والمساواة.

في شخص العقاد يتجسد المثقف العضوي الذي يعيش هموم شعبه وأمته ودينه رغم وجوده بعيدا عن الوطن العربي، في أميركا وطن لا يرحم ولا يشفع حيث الإغراءات المادية وأسباب الذوبان في الأخر كثيرة ومتنوعة .العقاد ورغم عيشه في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن درس فيها وحصل على الجنسية الأميركية لم يذوب في المجتمع الهوليودي ولم ينصهر في بوتقة المادية والأنانية وإنما بقي وفيا لجذوره وأصوله ومنتميا لقوميته ودينه.

العقاد كان يرى أن سوء فهم الآخر لنا ولديننا ولتاريخنا هو تقصير منا وضعف منا في التواصل والحوار مع الآخرين، حيث اننا لم نقم بدورنا في تعريف الآخر بديننا وثقافتنا وحضارتنا وتاريخنا، لم نقم بتسويق صورتنا للآخر ولم نقم بتقديم أنفسنا وهويتنا ومن نحن للأخر.

كمثقف عضوي استطاع العقاد أن يحاور ويتواصل مع الأخر بالفيلم الهادف والملتزم الذي يحمل المعاني والقيم التي تصور الصورة الذهنية الحقيقية والواقعية عن الإسلام والمسلم.

العقاد رحمه الله كان مستاء جدا من الصورة النمطية ومن الأفكار المضللة والمشوهة التي أصبحت تتغلغل يوما بعد يوم في إدراك الأخر للعربي وللمسلم.

مات العقاد رحمه الله ولم يوفق في تحقيق حلم إنتاج فيلم »صلاح الدين الأيوبي« و»أمير الأندلس«.

مصطفى العقاد كان يحلم بالكثير وكان يتمنى لو توّفرت الموازنات والإمكانيات ليقدم أكثر من »الرسالة« و»أسد الصحراء« للإنسانية، للعالم بأسرة بلغة عالمية تتسم بالوضوح وبالصراحة وبالبساطة ولغة تحمل في ثناياها احترام الأخر وتقديره . رسالة تؤمن بالتسامح والتواضع والتضامن من أجل القيم النبيلة للإنسانية. كان همه الوحيد هو إعطاء وتقديم الصورة الحقيقية للحضارة العربية والإسلامية للعالم.

العقاد كان ينزعج ويستاء كثيرا عندما تُستعمل كلمة العرب والمسلمين كمرادف للإرهاب والأعمال الإجرامية والتخريبية. الفقيد رحمه الله عانى الكثير، عانى مضايقة ومحاصرة اللوبي الصهيوني له ولأعماله في هوليوود وفي دروب الصناعة السينمائية الأميركية. كما عانى الكثير من عدم تقدير واهتمام الأنظمة العربية والأوساط الثقافية بأعماله ومشاريعه الفكرية.

لقد اُغتيل بدون أن يحقق أهدافه بسبب عدم وجود مّمول لأفلامه. ويبدو أن في عالم اليوم بات الاهتمام بثقافة التسطيح والتهميش وثقافة الفيديو كليب والرقص والغناء. فالعرب يتعرضون يوميا للتشويه والتضليل والأساطير المختلفة التي تسيء لهم ولدينهم وهم يتفرجون ويبكون على الأطلال.

إن اغتيال مصطفى العقاد يعتبر خسارة كبيرة للعرب وللمسلمين ولكل إنسان فوق هذه المعمورة يحب الحوار والنقاش ومعرفة الآخرين والتعرف إليهم وكذلك لكل إنسان يحب أن يُعّرف بنفسه وثقافته وجذوره وأصوله للآخرين. إن موت العقاد بدون إنتاج فيلم صلاح الدين الأيوبي وأمير الأندلس يشير إلى أزمة كبيرة تعاني منها الصناعات الثقافية العربية وتعاني منها الصناعة السينمائية العربية ويعاني منها الفكر العربي برمته.

المشكلة تكمن في اللامبالاة وعدم الاستثمار في صناعات الصورة وفي صناعات الفكر والوعي والثقافة والرأي العام. كان العقاد يرى أن العرب لم يهتموا بالسينما ولا بالفن، ولم يستثمروا في الصناعات الثقافية كما يفعل الغرب وبصفة خاصة اليهود.

والنتيجة أن العرب بمجدهم وتاريخهم وثقافتهم وحضارتهم أصبحوا لا شيء. والصورة التي تُقدم عن العرب اليوم سواء في وسائل الإعلام أو الأفلام أو في الصناعات الثقافية الأخرى صورة أقل ما يمكن القول عنها أنها مشوهة، مضللة، مبتورة وحاقدة.

المرحوم العقاد لم يتمكن من جمع 80 مليون دولار أميركي لإنتاج فيلم كان يحاول من خلاله تقديم الصورة الحقيقية للدين الإسلامي وللحضارة الإسلامية. يعرض من خلاله للتسامح، والمساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن والتكافل الاجتماعي. العقاد كان لا يطيق التطرف، لأنه بكل بساطة يرى أن هذا السلوك هو سلوك غير سوي، ناجم عن الجهل وإقصاء الآخر.

الأمة العربية والإسلامية وأكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى مئات الأفلام من حجم »الرسالة« و»أسد الصحراء« خاصة في الظروف العالمية الحالية وفي ظروف العولمة والحرب على الإرهاب..

في الظروف الحالية يجب محاورة الآخر ومخاطبته بمنطقه ولغته مثل ما فعل العقاد رحمة الله عليه عندما استعان بمهارات وسمعة وعالمية انطوني كوين الذي جسد دور حمزة في فيلم »الرسالة« وعمر المختار في فيلم »أسد الصحراء« ويا لها من لباقة وحرفية حيث ان المشاهد الذي يرى الممثل العالمي في الفيلمين يتفاعل ويستلطف أكثر معانيه والقيم والصور الذهنية التي يحملها.

تكلم العرب كثيرا عن فضائيات تبث باللغة لإنجليزية للأخر وليومنا هذا لم نر شيئا، كما وعدوا بالرد على كل الاتهامات التي توّجه لهم والصور النمطية التي يصورون بها، لكن حالة التبعية الإعلامية والثقافية للعالم العربي تزيد يوما بعد يوم.

هكذا إذن اغتال الإرهاب رسالة العقاد، واغتال مبدعا كان يأمل أن يحارب الدعاية الغربية وآليات الصناعة الإعلامية الغربية والصناعات الثقافية الغربية التي لم تتوقف يوما عن التشويه والتضليل لصورة العربي والمسلم. وتفاقمت الأوضاع أكثر فأكثر بعد أحداث 11 سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب.

اغتال التطرف مصطفى العقاد الذي كان يكافح من أجل القضاء عليه، لأن التطرف عند العقاد هو ببساطة الجهل ونكران الأخر وإقصائه. فكلما كان هناك حوار ونقاش وتبادل للأفكار والآراء تقلصت مساحة سوء الفهم والتشويه والتضليل والصور النمطية لصالح التعارف والتفاهم والتسامح من أجل مصلحة شعوب العالم مهما اختلفت دياناتهم ومعتقداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم.

رحم الله مصطفى العقاد، وأملنا كبير في أن تنجب الأمة العربية والإسلامية عشرات العقاد لتكملة المسيرة ولإنتاج »صلاح الدين الأيوبي« وغيره من المنتجات الإبداعية والفكرية التي تقدم الإنجازات الكثيرة للتاريخ العربي والإسلامي للعالم والتي تتصدى للتشويه والتضليل والإرهاب الفكري.

استاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة