لاحظت في زيارة لي ضمن وفد كبير من دولة الإمارات مؤخرا إلى المملكة العربية السعودية ، والتى جاءت تلبية لدعوة من وزارة التعليم العالي السعودي، وجود لافتات إعلانيه بدأت من بداية طريقنا من المطار إلى قصر المؤتمرات حيث تمت استضافتنا، وتكررت على طول الطرقات التي كنا نمر بها.

هذه اللافتة تقول »كن سعوديا ووظف سعوديا«. وعند استفساري عن الإعلان عرفت أنه جزء من الحملة الوطنية لما يسمى »بالسعودة«، والتي تعني إحلال السعوديين مكان الأجانب في قطاعات العمل المختلفة، بما في ذلك القطاع الخاص، أو بالأخص القطاع الخاص.

أسعدني هذا التوجه للحكومة السعودية، وتمنيت في داخلي لو يتم تبني هذه التجربة في وطني الإمارات العربية المتحدة، خاصة وأن قضية التوطين وبطالة الشباب في بلدنا قد أصبحت من المشاكل الوطنية الملحة والمؤرقة لنا جميعا.

اهتمام المملكة العربية السعودية بالتوطين، أو »السعودة« لا حظناه بعد ذلك في الأماكن المختلفة التي تمت استضافتنا فيها. ففي أول يوم لزيارتنا الرسمية أخذنا إلى مكتبة الملك عبدالعزيز،

وهي مكتبة أنشأها الملك الحالي عبدالله بن عبد العزيز في جزء من أرض قصره وبجانب مسجد والدته ليشرف هو شخصيا على نشاطها، وفي هذه المكتبة لاحظت حضور المواطن السعودي بقوة، بداية من رجال الأمن عند البوابة وموظفي الاستقبال، حتى جميع العاملين فيها، كل حسب تخصصه ومن الرجال والنساء ، سواء كانوا إداريين أو موظفين عاديين.

تركزت الصورة بوضوح أكبر في كلية البنات بجامعة الملك سعود؛ فمنذ دخولنا استقبلتنا مسؤولة الأمن، والتي كانت شابة سعودية، ثم مسؤولة العلاقات العامة وهي أيضا شابة سعودية، ثم لقائنا بعد ذلك بنخبة من النساء السعوديات الأكاديميات في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية،

مما زاد من فضولي وإعجابي في نفس الوقت. عندما سألت عميدة الكلية عن عدد المواطنات السعوديات العاملات في الكلية أجابتنى بأنهن الأغلبية، حيث تشكل نسبتهن في حدود 80 في المئة من نسبة العاملات في الجامعة.

مفاجأتي الكبرى كانت عند زيارتنا لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. وهى هيئة علمية مستقلة تتبع إداريا رئيس مجلس الوزراء. وتعمل هذه الهيئة على دعم وتشجيع البحث العلمي للأغراض التطبيقية في مجالات مختلفة. فهذه الهيئة تعمل على تبني ودعم البحوث في المجالات العلمية المختلفة، كالفلك والجيوفيزياء، والفضاء، والطاقة الذرية،

وكذلك مجالات الموارد البيئية والطبيعية والصناعات البتروكيميائية، وغيرها. كما تعمل هذه الهيئة أيضا على تطوير الكفاءات العلمية الوطنية واستقطابها وتدريبها وتوفير المنح العلمية لها من أجل بناء ودعم متطلبات التنمية الشاملة في المملكة. لقد لاحظت من خلال الفيلم التسجيلي الذي عرض لنا ومن خلال حديثنا مع بعض المسؤولين في تلك المؤسسة أن الغالبية العظمى من العاملين فيها في المجالات المختلفة هم من السعوديين،

وعندما سألت عن نسبة التوطين أجابني المسؤول الذي سألته بأن نسبة المواطنين السعوديين من بين العاملين تفوق التسعين بالمئة، وبأن المؤسسة في البداية بدأت بأعداد قليلة من المواطنين، غير أنه ومع تطبيق خطة السعودة من خلال استقطاب وتدريب المواطنين السعوديين وتوفير البعثات العلمية لهم أصبحت النسبة في إزدياد حتى فاقت التسعين بالمئة في 2005.

في اليوم الثاني لجولتنا زرنا معهد الإدارة والتدريب في فرعه الخاص بتدريب النساء، وهناك أيضا تتجلى وتتعمق في ذهن الزائر صورة السعودة. في تلك الزيارة وعندما سألت مديرة المركز عن خطتهم في التوطين ونسبة السعوديات العاملات في المعهد لديهم أجابتني بالتالي: أنا أعمل في هذا المعهد منذ الثمانينات الميلادية من القرن الماضي،

وأتذكر أن عدد السعوديات العاملات في المعهد في تلك المرحلة كان يعد على الأصابع، فقد كنا حوالي ست سعوديات فقط. اليوم نحن نشكل تقريبا 96% من عدد العاملين. سألتها كيف تمكنتم من ذلك: فأجابت بالإصرار والعزيمة، والأهم من ذلك بالقرار السياسي الذي يدعم ويعزز مثل هذه العزيمة.

ثم أضافت، علاوة على ذلك، لدينا ميزانية خاصة للابتعاث للخارج، ونحن نقوم باستقطاب كثير من طالبتنا المتميزات واللاتى لديهن الرغبة في إكمال تعليمهن ونوفر لهن المنح الدراسية للدراسة في الخارج والداخل على السواء، وذلك حتى يتمكن من العمل في جميع الميادين التي نحتاجها. وكما ترين لقد أصبحنا اليوم، وبفضل هذا التوجه نشكل الغالبية العظمى من العاملين في مؤسستنا.

في مجال آخر، وهو من المجالات التي تميز المملكة كإحدى أهم مناطق إنتاج وصناعة البترول في العالم زرنا جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المنطقة الشرقية. وهناك أيضا لمسنا الإصرار السعودي على اتخاذ وتبوؤ المكانة اللائقة بهم في العالم. فهذا الصرح العلمي يشكل أحد أهم الروافد الأساسية في بناء وتعزيز المكانة الخاصة للمملكة من حيث اهتمام مسؤوليها بالتعليم وبالعلم وبالتمكن من تطوير مواردهم الخاصة على أيدي أبنائهم.

هذه صورة من بعض المؤسسات التي زرناها في المملكة العربية السعودية والتى إن دلت على شيء فإنها تدل على وعي وإيقان قيادة المملكة بأن قضية السعودة هي إحدى القضايا الاستراتيجية الحيوية التي تتعلق بالأمن الاقتصادي والاجتماعي لبلدهم،

وبأنها أحد أهم أساسيات دعم الاقتصاد الوطني ومواجهة تحديات العولمة الاقتصادية والثقافية وغيرها، وبأنها أهم ركيزة لاستقرارهم السياسي. عسى أن لا يأفل هذا السعي وأن يتحقق دوما بالشكل الذي تتمناه المملكة العربية السعودية حكومة وشعبا.

جامعة الامارات