في الوقت الذي تمطرنا فيه الصحف والمواقع العربية بالعديد من المقالات والآراء التي تندد بالإرهاب الإسلامي، وتحقر من شأن العرب وتنعتهم بأقسى الألفاظ والصفات، فإنها تنسى أو تتناسى الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية في الفلوجة في نوفمبر عام 2004،
وحلول الذكرى السنوية الأولى لها. ورغم التعتيم الإعلامي شبه الكامل لما قامت به القوات الأميركية في الفلوجة، فإن الأمر لا يعدم وجود بعض المراسلين الذين يفضحون هذه الممارسات سواء بدوافع أخلاقية وإنسانية، أو بدوافع العمل والسبق الصحافي والنجاح الشخصي، أو من خلال تصفية الحسابات مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا السياق، بثت محطة »راي 24« التابعة للحكومة الإيطالية فيلما وثائقيا يوم السابع من نوفمبر 2005، بمناسبة مرور عام على الهجوم الأميركي على مدينة الفلوجة العراقية، كشفت من خلاله عن استخدام القوات الأميركية للأسلحة الكيماوية في مهاجمة المدينة.
علينا ألا ننسى هنا أن نيقولا كالباري أحد أفراد المخابرات الإيطالية قد قتل في هذا الوقت من العام الماضي برصاص الجنود الأميركيين وهو يحمي الصحافية الإيطالية جوليانا سيجرينا التي أطلق سراحها من قبل مختطفيها في العراق. من هنا يمكن القول بأن إيطاليا بعرضها لهذا الفيلم في هذا التوقيت تحيي ذكرى كالباري من ناحية، وترد الصفعة إلى الولايات المتحدة التي لم تحاسب جنودها المسؤولين عن مقتل كالباري حتى الآن من ناحية أخرى.
يبدأ الفيلم الإيطالي بعرض للممارسات الأميركية الدامية في فيتنام، حيث تركز المشاهد على الحروق التي أصابت الفيتناميين في ذلك الوقت نتيجة لاستخدام الأميركيين للنابالم وغيره من الأسلحة المحرمة دوليا.
يحاول الفيلم من خلال هذه المقدمة أن يؤكد على تواصل التاريخ الإجرامي للولايات المتحدة تجاه الشعوب التي احتلتها، وبأن ما سوف نراه في العراق من مشاهد للجثث المحترقة، وللأطفال الموتى، ما هو إلا تكرار لنفس الممارسات الأميركية في فيتنام وغيرها من الدول التي ذاقت مرارة العدوان الأميركي.
كشف الفيلم الوثائقي عن استخدام متعمد من قبل القوات الأميركية للفوسفور الأبيض الذي يشبه النابالم في تأثيراته على من يتعرضون له سواء من المدنيين أو العسكريين.
وفي المشاهد التي عرض لها الفيلم، المتوافر حاليا على الإنترنت، نرى العديد من الجثث المحترقة، حيث يذيب الفوسفور الأبيض الجلد واللحم ويترك العظام. واللافت للنظر هنا، أن تأثير الفوسفور الأبيض يقف فقط عند اللحم والجلد حيث يذيبهما، تاركا في الوقت نفسه ملابس الضحايا سليمة غير محترقة.
ولعل ذلك هو ما لفت انتباه كل من مورتزيو تورلاتا وسيجفريدو روناتسي المحرريين الإخباريين في محطة »راي 24« الإيطالية ومنتجا الفيلم في الوقت نفسه.
حيث استرعا انتباههما شكل الاحتراق الغريب للجثث وتحللها بشكل غير معتاد مع بقاء ملابس الضحايا كما هى، وهو الأمر الذي دفعهما إلى توثيق الحدث من خلال فيلم »الفلوجة... المذبحة الخفية«.
وعلى ما يبدو ان مسألة استخدام الأسلحة الكيماوية في العراق أبعد من ذلك، حيث أكدت أليس ماهون البرلمانية البريطانية السابقة أنها قد تلقت من وزارة الدفاع البريطانية في الثالث عشر من يونيو 2005 ما يؤكد على استخدام القوات الأميركية للقنابل الحارقة المعروفة باسم MK-77، والتي تتشابه في تأثيراتها مع النابالم، في حربها ضد العراق عام 2003.
استضاف الفيلم أيضا أحد الجنود الأميركيين المشاركين في الحملة على الفلوجة، وهو جيف انجلهارت، الذي أكد على استخدام القوات الأميركية للفوسفور الأبيض في هجومها على الفلوجة. إضافة إلى ذلك استضاف الفيلم الصحافية الإيطالية جوليانا سيجرينا، وعضوة البرلمان عن حزب العمال البريطاني أليس ماهون،
والبيولوجي العراقي محمد طارق الذي تابع نتائج الهجوم الأميركي على الفلوجة. لقد كشف عرض الفيلم الإيطالي والمقابلات الصحافية التي تلته عن عدة حقائق مهمة فيما يتعلق بالممارسات الأميركية في العراق:
1ــ أن ما يصلنا من حجم الانتهاكات الأميركية في العراق، وبالتبعية في أفغانستان، أقل بكثير مما تمارسه القوات الأميركية على أرض الواقع. وفي هذا السياق أكد الجندي الأميركي على أن الجنود الأميركيين لديهم أوامر باعتبار كل من يسير على الأرض أيا كانت طبيعته سواء مهاجما أو مدنيا هو هدف يمكن قتله.
ولعل ذلك يفسر ما عرض له الفيلم من وجود مدنيين بين الأموات يحملون الرايات البيضاء. ويرتبط بذلك ضرورة التأكيد هنا على حجم الكذب والاختلاقات والادعاءات المرتبطة بالسياسات الأميركية والتصريحات التي يطلقها المتحدثون العسكريون الأميركيون. فالليوتانت كولونيل ستيفن بويلن المتحدث باسم الجيش الأميركي بالعراق قد أنكر تماما استخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين في الفلوجة،
رغم كل الوثائق التي يقدمها القائمون على الفيلم من حيث صور الضحايا وأسمائهم وأماكن دفنهم، إضافة إلى مطالبتهم بضرورة قيام المنظمات الدولية بإجراء تحقيق حول هذه المذابح البربرية الأميركية في الفلوجة. ولعله من المشروع هنا التساؤل عن أسباب صمت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه الحقائق الدامغة لهذا الفيلم، في الوقت نفسه الذي تعالت فيه الأصوات منددة بما حدث ضد الأكراد، وبما حدث في لبنان.
2ــ كشف الفيلم أيضا عن وجود توجه عنصري مغلف بتوجه ديني متطرف بين الجنود الأميركيين، تمثل فيما عرض له الفيلم من تدمير متعمد للمساجد ورسم للصلبان على حوائط المساجد، وأغلفة المصاحف، إضافة إلى كتابة الشعارات المعادية للعرب وللمسلمين على جدران الأماكن الأثرية التاريخية. وعلى العراقيين أن يتوقعوا المزيد من مثل هذه الممارسات العنصرية المتطرفة في ظل حالة الإحباط المتصاعدة التي يواجهها الجنود الأميركيون في العراق.
3ــ كشف الفيلم عن مسألة القيود التي يفرضها الاحتلال الأميركي على المراسلين الصحافيين العرب والأجانب، ورغم أنه قد بين أن الأميركيين لا يتدخلون في طبيعة الرسائل التي يرسلها هؤلاء المراسلون عن الوضع في العراق، إلا أنه قد كشف عن قيام القوات الأميركية باستبعاد من يفضح ممارساتهم، ومن لا تتفق رسائله الصحافية مع الأهواء الأميركية.
وفي هذا السياق، كشف الفيلم والعديد من المقابلات التي أجريت حوله عما يواجهه المراسلون في العراق ممن لا تتفق توجهاتهم مع الممارسات الأميركية، في الوقت نفسه الذي توفر فيه القوات الأميركية الحماية الكاملة للمراسلين الأميركيين مثل سي إن إن، وتايمز آرمي.
أخيراً، ربما يحرك هذا الفيلم أصحاب الأقلام الحية فيكتبون عن جرائم الفلوجة في الذكرى الأولي لها، راجين من الله أن يرحم هؤلاء المدنيين من الأطفال والنساء والرجال.
كاتب مصري ــ جامعة الإمارات