في الخطاب الأخير المتشدد الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد تحدث عن أن أحداً لم يعرض »صفقة« على سوريا وأنه لو كان حصل ذلك لكان صارح الشعب السوري بالأمر. الميل هو إلى تصديق هذه »المعلومة«.

إن جوهر التحول الذي طرأ على السياسة الأميركية حيال سوريا هو، بالضبط، رفض فكرة »الصفقة« وذلك في استطراد رفض فكرة »التفاوض«. بعد غزو العراق أنهت الولايات المتحدة المقاربة التي كانت تقوم على الدخول في مباحثات مع دمشق حول قضايا إقليمية.

لقد تأسست الوجهة الجديدة في الزيارة الشهيرة التي قام بها وزير الخارجية آنذاك كولن باول الى دمشق. فالروايات حول الزيارة تجمع على القول أن باول تقدم من الرئيس بشار الأسد بلائحة مطالب وأصر على تلبيتها من دون إيضاح المقابل الذي يمكن لبلاده أن تقدمه.

منذ ذلك الوقت يمكن إيراد عشرات التصريحات لكبار المسؤولين الأميركيين، بدءاً بالرئيس جورج بوش نفسه، ولكنها زاخرة بما هو مطلوب من دمشق من دون الاهتمام بادراج ذلك في سياق صفقة ما. لقد ذكر بوش ذات مرة، أن على دمشق أن تقوم بما هو عليها مضيفا »ثم نرى«. وكان أقصى ما وصل إليه البيت الأبيض هو التلميح بأن التجاوب السوري يمكن له ان يساعد في مسعى أميركي لمصالحة سوريا مع المجتمع الدولي.

ان الرأي الأميركي في هذا المجال، هو ان التجاوب السوري هو »سمة دخول« الى المجموعة الدولية. ويعني ذلك أن على سوريا ان تغيّر سياستها جذرياً من أجل تأهيل نفسها لتكون طرفا يمكن الخوض في أي بحث معه، أي أن التفاوض مع سوريا رهن بتخليها عما كانت تعتبره في وقت سابق »أوراقاً تفاوضية« و»نقاط قوة« والدخول في مغامرة يكون الاحتمال الأكثر وردية في نهايتها بقاء النظام.

وفي استطراد رفض التفاوض يكمن رفض أي صفقة. بكلام آخر لا معنى لتقسيم الملفات الى عراقي وفلسطيني ولبناني بحيث تسود سياسة الأخذ (في ملف) والعطاء (في ملف آخر).إن هذا هو معنى الصفقة الذي يمكن أن نضيف إليه البحث في، أو استكشاف إمكانية العودة إلى تحريك ملف هضبة الجولان المحتلة.

ليست الصفقة غريبة عن العلاقات الأميركية ـــ السورية منذ ثلاثة عقود. يمكن إيراد أمثلة كثيرة عن صفقات جرت لعّل أكثرها بروزاً هو ما حصل في مطلع التسعينيات من مشاركة سورية في حرب تحرير الكويت، وفي مؤتمر جنيف مقابل الحصول على »إطلاق يد« في الشأن اللبناني. وليس هناك ما يمنع من التقدير بأن هذا »الماضي« يدغدغ ذهن القيادة السورية الحالية في حين أن الإدارة الأميركية باتت في مكان آخر.

واللافت أنه في استطراد الرفض الأميركي »للصفقة« أو لمجرد »التفاوض« صاغ أرييل شارون نهجه حيال دمشق. لقد عبّر الرئيس الأسد غير مرة، عن رغبته في استئناف المفاوضات، وأبقى غموضا حول ما إذا كان يريد ذلك »من دون شروط« أو »من حيث انتهت«.

وكان الجواب يأتي في كل مرة بأن الأمر غير وارد، مرة لأسباب إسرائيلية ومرة لمراعاة التوّجه الأميركي. ولقد صرّح شارون بأن التفاوض مع الأسد مرفوض لأن إعادة الجولان مرفوضة. ومع ذلك خرج في إسرائيل من يقول بأنه من المنطقي والضروري الإقدام على استكشاف حقيقة النوايا السورية. وتعمدت أوساط عسكرية التذكير بأن الجيش قادر على الدفاع عن إسرائيل من دون »الهضبة« ولكن المستوى السياسي أصر على موقفه.

إن أفضل توصيف للوضع الراهن بين سوريا والولايات المتحدة هو ان الأولى لا تقاتل من أجل حقوقها بل من أجل انتزاع حقها في التفاوض. والواضح أن هذا الحق الأخير بات بعيد المنال.

يجب وضع هذه الخلفية في الاعتبار عند النظر الى القرار رقم 1636 الصادر عن مجلس الأمن. انه قرار يعطي تفويضا كاملا للمحقق الألماني ديتليف ميليس ويتجاوز السيادة السورية بالكامل ويطالبها بتعاون غير مشروط. وبذلك فالقرار المشار إليه يختلف عن القرار 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق حيث أن الأخير يطالب الاخيرة باحترام السيادة والقوانين اللبنانية.

ان القرار 1636 هو ترجمة تفصيلية لرفض إعطاء سوريا حق التفاوض. ولقد انعكس الأمر مباشرة في ما يخص الطلب المنسوب الى ميليس باستجواب عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين السوريين في لبنان. لقد ردت سوريا بأنها على استعداد للتعاون وربما تكون اقترحت أمكنة أخرى لحصول الاستجواب بينها عواصم عربية وأجنبية.

إلا أن الردود على الاقتراحات السورية بليغة. ولعل الأكثر وضوحاً فيها تصريح وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس في أثناء زيارتها الى المملكة العربية السعودية. قالت رايس بوضوح ما بعده وضوح »على سوريا أن تكف عن التفاوض«.

تعرف رايس تماماً، ويعرف ميليس، ويعرف غيرهما الشحنة الرمزية الهائلة في استجواب الضباط السوريين في لبنان. ومع ذلك فان الإصرار ينهض على أنه ليس من حق دمشق الاعتراض. ان كل ما هو مقبول منها هو »التفاوض« من أجل إيجاد الصيغة الممكنة للقول: نعم!

كاتب لبناني