في مقابلة صحافية أجريت مع الكاتب الأميركي غورفيدال أخيراً، سئل المفكر الشهير، الذي يعد أحد أكثر منتقدي السياسة الأميركية ضراوة، حول عنوان المرحلة اللاحقة لكل هذه الأعاصير السياسية والطبيعية، التي تعصف في الولايات المتحدة وخارجها جراء السياسات المتبعة من قبل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، فأجاب ان ذلك العنوان هو »الأحكام العرفية«، لكن قد يتساءل البعض حول امكانية اللجوء إلى مفردات من هذا القبيل في بلد ينتصب فيه أضخم تمثال للحرية في العالم، لا بل يفترض ان يميزه عن باقي بلدان العالم.

هذا الرد وذلك التساؤل يقودان بكل تأكيد إلى المربع الأول لمصطلح الديمقراطية، الذي يعرف من الناحية النظرية على الأقل بأنه حكم الأغلبية في مجتمع ما مع احترام حقوق الأقلية، على ان يتم اختيار ممثلي الشعب بحرية كاملة غير منقوصة. لكن عندما يتعلق الأمر بمسألة تطبيق ذلك المفهوم، الذي يحمل بين طياته الكثير من النبل واحترام كل ما هو انساني، فإن المشهد يختلف تمام الاختلاف، ذلك ان مسألة الممارسة فيها وجهة نظر دائماً.

ويتوقف الاختلاف في التطبيق عادة على المراد من رفع هذا الشعار النبيل، شعار ارساء الديمقراطية في سائر بلدان المعمورة، حيث يتراوح الأمر بين النوايا النبيلة عندما يكون منطلقها صاحب العلاقة بالذات (الشعب) وبين استغلال ذلك الشعار لمآرب أخرى في نفس يعقوب، كما يقال، وبين هذا وذاك قد تضيع بين الأرجل حتى أدنى حقوق الناس في العيش الكريم وربما في مجرد البقاء على قيد الحياة، وتجارب الشعوب، التي لا تعد ولا تحصى في هذا الميدان خير دليل على ذلك.

لكن قبل الخوض في بعض تفاصيل تلك التجارب، لابد من التنويه أولاً إلى أن الديمقراطية لم تقم في مهدها الغربي إلا على حساب شعوب ما يسمى بأطراف المركز الغربي وأثر حروب طاحنة أكلت الأخضر قبل اليابس وأتت على حياة عشرات إن لم تقل مئات ملايين البشر حول العالم، وتلك إشارة عاجلة لمرحلة الاستعمار الغربي المباشر لأكثر المناطق حيوية في العالم وذلك في النصف الأول من القرن العشرين،

أي في الفترة عينها التي ازدهرت فيها الأنظمة الديمقراطية في المجتمعات الغربية عموماً، التي يبرز من بينها وبامتياز تجربة مجتمع الولايات المتحدة الأميركية ، التي قامت على أشلاء شعوب القارة الأصيلة من الهنود الحمر (الأنكا، المايا، الأزيتك... الخ)، التي قدمت عشرات الملايين من الضحايا على مذبح تمثال حرية العم سام والذي قدمته فرنسا هدية للبلد الوليد.

واللافت أيضاً في تجربة نشوء الديمقراطية في مهدها الغربي هو الغيرة على تطبيق مبادئها وقيمها في المجتمعات الغربية وإدارة الظهر لتلك المبادئ والقيم ذاتها خارج تلك المجتمعات، لا بل إن القيمين عليها بذلوا الغالي والنفيس لإرساء دعائم أنظمة استبدادية في بلدان ما بات يعرف أيضاً بالمحيط، حيث تفننت هذه الأنظمة بممارسة شتى أساليب القمع وأبشعها على الإطلاق.

من نافل القول إن الشعوب العربية قاطبة ربما كان لها نصيب الأسد في هذا المشهد المأساوي، فلقد دفعت الثمن غالياً على الصعد القومية والقطرية والفردية، مع ملاحظة تفوقها الزمني والنوعي أيضاً في إطالة فصول هذا المشهد الممل والمقزز.

فبينما تشهد الديمقراطية ازدهاراً ملحوظاً في شتى بقاع الأرض، بدءًا من البلدان، التي كانت منضوية تحت لواء معسكر الكتلة الاشتراكية الفولاذي، مروراً بتجارب إفريقية ديمقراطية باتت عريقة. وفي المقدمة منها تجربة جنوب افريقيا، التي كان يضرب بها المثل ـــ إلى جانب إسرائيل ــ في التمييز العنصري،

وليس انتهاء بتجارب ما كان يعرف بجمهوريات الموز في أميركا اللاتينية، لا تزال الشعوب العربية في أروقة التساؤلات والشكوك حول جدوى الإصلاحات الديمقراطية، إلى درجة أصبح لدينا أنموذجاً فريداً في هذا المجال لا يبالي بالشروط الصحية للديمقراطية وإنما بفرض شروط واشتراطات عليها، مع ملاحظة أن الجهة المخولة بإجراء الإصلاح هي ذاتها التي حالت دون أن يرى النور على مر العصور في مشهد يذكرنا بمقولة يعرفها الجميع ومفادها أن فاقد الشيء لا يعطيه أبداً.