لم يكن حلف الإرهاب الصهيوني الدنس بحاجة لأكثر مما قدمه التنظيم العدمي المارق والخارج عن صحيح عقيدة الإسلام, من تبريرات وأدلة جاهزة لإدانة المسلمين ودينهم, وتصويرهم كأناس همج معادين للحضارة والحياة الإنسانية ومتعطشين للدماء البريئة التي تراق مجاناً, في تفجيرات وحشية تحصد أرواح الأبرياء.
وظهر واضحاً أن تفجيرات فنادق العاصمة الأردنية عمان الأسبوع الماضي قدمت تبريراً نموذجياً لكل النافخين في بوق العداء للإسلام, وأثلجت صدور صناع حملة العداء لحضارتنا ولقضايا شعوبنا المصيرية, ووضعتنا جميعاً في قفص الاتهام بدلا من أباطرة الإرهاب وصناعه الأصليين, في حين يتخبط أبو مصعب الزرقاوي وأمثاله من أحفاد الخوارج قتلة الإمام علي بن طالب,
ورؤوس الفتنة الكبرى، في أوهام وتخريجات عبثية وتأويلات سوداء, تغتال أعظم مبادئ ومثل الإسلام، وتهيل التراب على قيم التسامح والعقلانية والدعوة بالحسنى, وتتبنى لغة الاغتيال وقتل المخالفين في الرأي والعقيدة, وعمليات القتل العشوائي, التي تحمل في بيانات» قاعدة الرافدين« أسماء مضللة تصورها على أنها غزوات, وهى في الحقيقة نكبات على الإسلام وهبات مجانية لأعدائه.
قبل ان يجف دم الضحايا الأبرياء, وتندمل جراح أصحاب العرس الذي قلبه الإرهابيون إلى مأتم, أصدر الزرقاوي بيانه العار المشحون بكل أبجديات الإفك والضلال, ويستبيح الاستهزاء بكل ميراث الإسلام وتوظيفه في غير موضعه,
مثل مفهوم »التترس« الموروث من عصور الفتوحات العظيمة والحروب الجهادية ضد غزوات الصليبين والتتار, والذي يبيح لقائد جيش المسلمين محاربة عناصر العدو الذين يستخدمون المسلمين العزل كدروع بشرية للاحتماء بهم.
ولا يختلف نهج الزرقاوي كثيراً عن أمثاله من أحفاد الخوارج في كل بلادنا العربية والإسلامية, الذين يفهمون ميراث الإسلام على غير حقيقته, ويوظفون أحكامه في غير ما صكت له, وينصبون أنفسهم فقهاء وهم اجهل من أن يستوعبوا مغزى آية واحدة من آيات القرآن المجيد, ويشوهون عظمة فريضة الجهاد، ويختزلونها في تفجيرات عدمية وحفلات للقتل الجماعي العشوائي, تضر بنا ولا تفيد سوى العدو, وتحرم المجاهدين الحقيقيين في فلسطين من شرف تمثيل الوجه المضيء لحضارتنا.
ولا يخفى على مراقب أن تفجيرات الزرقاوي في عمان, وقبلها تفجيرات شرم الشيخ وطابا في مصر, وغيرها في العراق والسعودية, لا تحصد إلا أرواح إخواننا الأبرياء, و ضيوفنا الأجانب, الذين يفرض علينا الإسلام الاحتفاء بهم وحمايتهم في داره, دار السلام والأمان, قبل أن يجعلها الإرهابيون الخوارج دار قتل عشوائي.
لكن أين يكمن مصدر الخلل والضلال الذي يقود هؤلاء الإرهابيين لارتكاب تلك الجرائم ضد الإسلام والإنسانية؟ قيل كلام كثير عن تفشي الظلم الاجتماعي, والاحتقان السياسي, والاستهداف الدولي لشعوبنا، لكن من المؤكد ان مثل هذا الحديث لا يوفر فرصة للفهم الصحيح لكيفية تشكل تلك الزمر الضالة, فهي مصدر رئيسي لتدهور الأوضاع وإهدار الإمكانيات وإشاعة عدم الاستقرار, فضلا عن تشويه الوجه المضيء للإسلام كرسالة حضارية.
وأخشى على أصحاب هذا النهج في التعاطي مع ظاهرة الجماعات الإرهابية الحديثة, إنهم لا يقدمون تفسيراً بل تبريراً للنهج التكفيري الإرهابي, سواء عن نية حسنة أو جهل, والطريق إلى جهنم مفروش بكثير من النوايا الحسنة.
بمقارنة بسيطة وسريعة بين جماعة الزرقاوي وحزب الله اللبناني وحركة حماس، يظهر الفرق واضحا بين تنظيم جهادي حقيقي وآخر خارج عن الملة, معاد للحياة والإنسانية, فالزرقاوي لم يقدم لقضية العراق سوى المئات من التفجيرات الدموية البشعة التي وضعت المقاومة في خندق الإرهاب,
وزرعت الفتنة الطائفية, وبتفجيراته الأخيرة في عمان اغتال المخرج السينمائي السوري العالمي مصطفى العقاد وابنته, في عمل شيطاني, حرم الإسلام والعروبة من جهود مثقف قدم للعالم انصع ما في ديننا من قيم ومبادئ, وسيظل شريطه السينمائي »الرسالة« شاهداً يثبت قدرة المثقف على فعل ما تعجز عنه أحزاب وتنظيمات بل ودول.
بالمثل, لا ندري كيف كان رد فعل الزرقاوي على مقتل العقاد, لكن من المؤكد انه لا يعي بشاعة عمله, ولا يدرك قيمة صاحب الرسالة وعمر المختار, لأنه وأمثاله من الخوارج غارقون في بحر من الدماء الطاهرة التي تراق يوميا في تفجيراتهم البشعة, وتسيطر عليهم أوهام شيطانية, تفرض على علماء الأمة أن يبادروا بالتصحيح وشن الحرب على أحفاد الخوارج الجدد.