من منا لا يريد أن يعيش في عالم يتمتع فعلياً بنظام سياسي واقتصادي وثقافي حر وديمقراطي وعادل خالٍ من الاضطهاد والعنف والظلم؟ ومن منا لا يقر ويعترف أننا ما زلنا في أقطارنا العربية نسعى إلى التغيير من أجل مستقبل أفضل لنا ولأجيالنا القادمة لا سيما وأن المستقبل لن يرحمنا إذا ما باشرنا في القيام بواجباتنا نحو التغيير على أسس متينة وقوية تأخذ بعين الاعتبار الهوية الدينية والتقاليد الأصيلة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية؟
ومن منا أيضاً لا يقر ويعترف أن هناك مجتمعات كثيرة نجحت في إنجاز ما نعجز عن تحقيقه حتى وقتنا هذا في المسائل المتعلقة بالحريات والديمقراطية والعدالة والتقدم العلمي والعملي حتى أصبحنا لا نعرف حجم الهوة بيننا وبينهم وكم من الوقت ستستغرق مسيرة الإصلاح والتصحيح حتى نصل إلى ما وصل غيرنا إليه، مع العلم أننا كنا في يوم من الأيام في المكان المعاكس تماماً؟
قبل أيام قليلة وتحديداً في العاصمة البحرينية المنامة شاهدنا الدكتورة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية تتحدث عن الإصلاح والحريات والعدالة والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، والحديث في هذا الخصوص بغض النظر عن المتحدث وعن نواياه والخلفية السياسية للمتحدث هو أمر ضروري ومطلوب وجوهري ويجب ألا يرفضه أحد من حيث المبدأ أو من جانبه النظري.
أما فيما يتعلق بالجوانب التطبيقية والاستراتيجيات والآليات عندها يكون الأمر مختلفاً، ذلك لأن المجتمعات والسياقات التاريخية والاقتصادية والجغرافية والسياسية والفكرية تختلف من مكان لآخر ومن مجتمع لآخر داخل منطقة الشرق الأوسط أو خارجه.
ولكن ما نريد أن نبحثه في هذا المقال لا يتعلق كثيراً بالجوانب الفكرية والتطبيقية لتحقيق الحريات والعدالة والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وإنما بالبيئة السياسية والأمنية كما يراها أهل المنطقة ذاتهم وهذا هو الأساس في هذا المرحلة.
لقد قالت رايس مراراً وتكراراً إن الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ أكثر من ستين عاماً اتبعت سياسات خاطئة تجاه المنطقة مما أدى إلى ازدهار التطرف والعنف والإرهاب الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى أحداث 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة. وهذه الأحداث كانت سبباً من الأسباب الرئيسية التي قادت إدارة الرئيس جورج بوش الأب إلى إطلاق مبادرته الشهيرة حول الديمقراطية في الشرق الأوسط.
والسؤال هو ببساطة: هل الدكتورة رايس تعتقد أن السياسة الخارجية الأميركية ستقود إلى الأهداف المعلنة في مبادرة الرئيس بوش حول الديمقراطية في الشرق الأوسط ؟
في زيارتها الأخيرة للمملكة العربية السعودية بعد البحرين قبل أيام قالت الدكتورة رايس وهي تقف إلى جانب الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمر صحافي إنه على الدول العربية أن تبذل المزيد من الجهود لمحاربة الإرهاب والتطرف وأن تسير بخطى واضحة نحو الديمقراطية والحرية.
بالمقابل أجاب الوزير السعودي المخضرم وبعبارات قصيرة ومباشرة ان الإرهاب في الشرق الأوسط هو نتيجة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأنه على الإدارة الأميركية الحالية أن تعمل جاهدة لإنهاء هذا الاحتلال.
لقد أراد الوزير السعودي أن يقول للدكتورة رايس إن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين كان ولا يزال السبب الجوهري لمعظم المشاكل في منطقة الشرق الأوسط بما فيها مشكلة الإرهاب. ولكن الغريب والمستغرب أن تتهم الدكتورة رايس الشعب الفلسطيني بالإرهاب وهنا نتساءل ماذا عنت الدكتورة من وراء هذه العبارة؟
فالاحتلال هو الإرهاب الأكبر وهو الحافز والمحفز لظاهرة الإرهاب التي هي أساساً غريبة عن المجتمعات العربية والإسلامية والتاريخ خير شاهد على ذلك. الذي لم تدركه الوزيرة رايس من أخطاء السياسة الأميركية في ستين سنة مضت أن الإدارات الأميركية المتعاقبة اهتمت بحماية إسرائيل وتدفق النفط ودعم الأنظمة المتحالفة مع واشنطن على حساب دعم التنمية والتطوير والحريات والعدالة وإنهاء الظلم والاضطهاد الذي مارسه ويمارسه كل احتلال وفي أي مكان.
نسأل الدكتورة رايس كيف تطالب من الدول العربية التغيير نحو قيم عظيمة تسعى إليها كل الشعوب في حين أن الشعب الفلسطيني يعاني أقسى أنواع التعذيب من قبل المحتل وكل هذا يحدث بغطاء وحماية أميركية سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الدبلوماسي؟!
وكيف تطالب الدكتورة رايس ما تطلبه وهي تحتل العراق وتمارس التعذيب وتقتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال؟! كيف تطلب الدكتورة رايس ما تطلبه وهي تسعى جاهدة إلى إلحاق الدول العربية بواشنطن سياسياً واقتصادياً وحتى ثقافياً؟! لا يمكن للمبادرة الأميركية أن تنجح إذا لم تعمل واشنطن جدياً على حل المشاكل المعقدة والصعبة في المنطقة.
لقد تحول الاختبار الأميركي الفاشل في العراق إلى بؤرة للمشاكل والعنف والتطرف ليعلن عملياً فشل النموذج الديمقراطي الذي تقترحه الولايات المتحدة.
والآن تسعى واشنطن لعزل سوريا وإخضاعها وإذلالها لتحقيق مكاسب سياسية وإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وقد اتهمت سوريا مؤخراً أنها وراء الإرهاب في العراق وفلسطين ولبنان. وكل هذا يحدث تحت شعار زائف اسمه التحقيق في جريمة قتل الشهيد الرئيس رفيق الحريري للقضاء على آخر قلعة للصمود أمام المشروع الصهيوني في المنطقة.
الدرس الذي يجب أن تتذكره الدكتورة رايس أنه مضى خمسون عاماً ونيف وإسرائيل تحتل الأرض وتشرد الشعب وتقتل من أجياله وزهرات شبابه كل من تطوله آلة الحرب الإسرائيلية من الجو والبحر والبر.
وخمسون عاماً ونيف وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها يعقد الجلسات العادية والطارئة ويناقش الوضع في فلسطين ويدين »الإرهاب والعنف«، لكن النقاش لا يرقى إلى مستوى اتخاذ قرار واضح ومحدد، وعندما تسنح الظروف أو يكون العدوان شرساً لا يستطيع مجلس الأمن إزاءه التهرب من مسؤولياته، يهم الجميع لاتخاذ قرار يسقطه الفيتو الأميركي، وينتهي بعدها كل شيء.
خمسون عاماً ونيف وإسرائيل تحتل وتتوسع، ثم تحتل وتتوسع، حتى غدت على ما هي عليه ترسانة نووية تهدد الدول والشعوب، وما من مرة اتخذ مجلس الأمن قراراً يدين أو يستنكر، حتى عندما واجه مجلس الأمن مشروع قرار يدعو.. يدعو فقط إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل اختفى المشروع في الأروقة وانفض الإجماع والاجتماع معاً.
خمسون عاماً ونيف من الاحتلال لفلسطين، وثمانية وثلاثون عاماً من احتلال الجولان، والاستيطان يتسرطَن فيه، وما من مرة فكر مجلس الأمن الاستناد في قراراته إلى أحكام الفصل السابع، وعندما اتجهت الظروف والاستهدافات نحو العراق أو سوريا، سارع المجلس إلى اعتماد صيغة أميركية كان من المفترض رفضها كلياً،
واعتماد صيغة يقدم على صياغتها طرف محايد مثلاً، واتجه مجلس الأمن إلى الفصل السابع الذي بدأنا التعرف عليه عندما بدأ الاستهداف للمنطقة العربية.
نختم بالقول للدكتورة رايس إن العدل هو الأساس للبدء في عملية شاملة تتضمن الإصلاح نحو الحرية والديمقراطية والعدالة، وهذا كله لن يتحقق إلا إذا بدأت واشنطن عاصمة الدولة الأقوى في العالم بانتهاج المنطق في معالجة الأمور حتى لا نصل إلى ستين سنة أخرى من الفشل السياسي ويدفع ثمن هذا الفشل الأبرياء من شعوب المنطقة وخارجها.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com