ليس هذا العنوان من بنات أفكارنا وصفاً لما يحدث في ضواحي باريس الفقيرة منذ السابع والعشرين من الشهر الفائت، بل هو عنوان مثير تصدر صفحات إحدى كبريات الجرائد الألمانية واسمها »فرانكفورت الجمان زايتنج« على ذمة صحيفة النيويورك تايمز(6/11).
وهو وصف يبدو غير دقيق، أو هو بالأحرى وصف تجاوزته الأحداث؛ ذلك أن »انتفاضة« الشباب الفرنسي من أبناء المهاجرين الذين تنحدر أصول معظمهم من شمال وغرب أفريقيا لم تتوقف عند "بوابات باريس" بل امتدت إلى معظم المدن التي بها تركزات من نفس تلك الجماعات العرقية.
وقد أجبر ذلك الحكومة الفرنسية على فرض حالة الطوارئ، لأول مرة منذ نصف قرن، في أكثر من ثلاثين مدينة ومنطقة بعد تردد دام أسبوعين. وفرض قانون الطوارئ قد لا يعني لنا الكثير نحن أبناء المجتمعات المتخلفة، فحالة الطوارئ دائمة عندنا.
أما في الديمقراطيات العريقة فأمر مختلف، فهو دليل على أن »الحكومة المنتخبة« التي تعبر عن نبض الشارع، لم تستطع حل مشكلة متفاقمة المفترض أنها لم تكن قائمة في المقام الأول. وهي إشارة للمستثمر الأجنبي بعدم استقرار الأوضاع السياسية، وبالتالي فإن ذلك حتماً سيؤثر على أسواق المال، وغيرها من التداعيات التي يضيق المجال التفصيل فيها.
وكانت الشرارة التي أشعلت الاضطرابات الحالية مقتل شابين بالصعقات الكهربائية إثر تخفيهما من مطاردة الشرطة في محول للكهرباء بضاحية كلشي سو بوا القريبة من العاصمة. وهذه الضاحية هي مثال للمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه قرابة خمسة ملايين من أصول مهاجرة جاء معظمهم من الجزائر والمغرب وتونس ومناطق غرب أفريقيا الأخرى.
إذ تكتظ بشباب عاطل عن العمل البعض منهم حاصل على شهادات عليا، ومع البطالة تنتشر الجريمة والعنف والمخدرات وأنواع الرذائل الأخرى. أن تكون من تلك المناطق معناه أن فرصتك في العمل تقل عن زملائك من أبناء المناطق الأخرى بخمس مرات، ومعناه أيضاً أن معاملة الشرطة ستكون غليظة لك أكثر بكثير من أقرانك الآخرين.
إن منطقة كلشي سوا بوا وأمثالها، أماكن موبوءة ـ كما تشير جريدة كرستيان سينس مونيتور الأميركية(4/11) ـ "لا تورث أصحابها إلا السمعة السيئة"!! وهي مناطق بَنت الحكومة الفرنسية مساكن رخيصة فيها للمهاجرين على مدى الأربعين عاماً الماضية لتخلق تجمعات سكانية استطاعت بسهولة أن تحتفظ بالشطر الأكبر من ثقافتها وهويتها الدينية وبالتالي أصبح عصياً عليها الاندماج في ثقافة المجتمع الكبير.
والمفارقة العجيبة أن سياسة النظام الفرنسي حيال المهاجرين الذين يرغبون البقاء فيها والتجنس بجنسيتها هو دمج هؤلاء في ثقافة المجتمع الفرنسي وصهرهم في نسيجه الاجتماعي لدرجة أن "الحكومة تحظر القيام بإحصاءات رسمية على أساس العرق أو الدين". حسب إذاعة البي بي سي (31/10). لكن شتان ما بين الشعار والواقع.
فإذا كان الآباء والأجداد قد ارتضوا بالقليل ولم يهتموا بالشعارات وكانوا يبحثون عن لقمة العيش، فإن الأبناء والأحفاد قد عاشوا في ظل تلك الشعارات وأعجبوا بها، لكنهم يرون أفعال الفرنسيين »الأقحاح« وتصرفات الحكومة فيتعجبون منها!! يتذمر أحد أبناء هذا الجيل من هذا الوضع فيقول: "كيف يمكن أن أشعر بأنني فرنسي حينما يصفني الناس دائماً بأنني فرنسي من أصل جزائري؟ لقد ولدت هنا. أنا فرنسي. كم يلزم من الأجيال حتى يكف الناس عن ذكر أصلي؟".
وردة فعل أبناء الجيل الجديد تختلف عن ما درج عليه آباؤهم من تحمل التمييز والسكوت عن التفرقة، فهؤلاء يرون في أنفسهم مواطنين فرنسيين بصفة أصلية على قدم المساواة مع أولئك الفرنسيين المنحدرين من قبائل القوط والوندال أو من سلالة شارلمان!! جال مراسل جريدة الواشنطن بوست (5/11) ضاحية لو بلان مسنيل المحاذية لمطار شارل ديغول الدولي،
حيث التقى محمد رزوق حارس النادي الرياضي في المنطقة الذي أحرقه المتظاهرون. رزوق هذا على علم بمجريات الاضطرابات في منطقته أكثر بكثير من الأجهزة الأمنية الفرنسية ــ كما يكتب المراسل ــ حيث يذكر أن الذين يقومون بتلك الأعمال هم "أطفال حمالي مطار شارل ديغول وفراشي مدارس المنطقة.. وهم بفعلتهم يقولون نحن هنا نحن موجودون"!!
ومقاومة المجتمع الفرنسي لاندماج أبناء المهاجرين قد ولد عند البعض الآخر شعوراً قوياً برفض الهوية الفرنسية وبُغض ذلك المجتمع علماً بأن تياراً أصولياً عاماً يسود أبناء تلك المناطق. فهاهو عبد الكريم الملقب بالقائد – كما يدعى في حَيه حسب مراسل الأندبندنت البريطانية (6/11) – يصيح قائلاً: "أنا أكره فرنسا، والفرنسيون يكرهوننا".
وعبد الكريم ابن العشرين المنحدر من أصول مغربية يعتاش على سرقة السيارات التي تدر عليه ألفا فرنك للسيارة الواحدة، وهو مستعد ـ مثلما يروي المراسل ـ أن يوفر كل شيء من البغايا إلى الـ "دي في دي" مروراً بالحلي والجواهر!! أما تابعه كارم (15 عاماً) فَيُري المراسل صوراً مُخزنة في هاتفه الجوال وهو يضحك هي لأحد الشيشان وهو يقطع رأس جندي روسي!! يقول القائد عبد الكريم: "من شرفتي هنا أرى برج إيفل. تلك هي باريس، أما هنا فإنها بغداد"!!
والمعضلة التي تواجهها فرنسا والمجتمعات الأوروبية الأخرى هي إنها أصبحت في الوقت الحالي بحاجة إلى تدفق المهاجرين كما كانت حينما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. فنظرة الشباب الأوروبي ـ كما يقول أحد علماء الأنثربولوجيا التي تورد الكرستيان سينس مونتيور رأيه(10/11) ــ للحياة السعيدة لم تعد تلك النظرة التي تتضمن وجود أطفال بها.
وهذا ما تعبر عنه الأرقام الإحصائية حول الخصوبة والمواليد، فهي تشير إلى هبوط معدل المواليد بالنسبة لكل امرأة إلى 1.3 والمفترض أن يكون أعلى من 2.1 لكي يستطيع المجتمع تجديد سكانه. معنى هذا أن المجتمع الأوروبي والغربي عموماً يشيخ وهو بحاجة إلى دماء جديدة تأتيه من الخارج.
وإذا لم يفلح المجتمع الغربي استيعاب هؤلاء القادمين الجدد في نسيجه الاجتماعي أو لم يتوصل إلى نظام تعددي حقيقي فستظل هذه مشكلة تخمد لفترة ثم ما تلبث أن تتفجر مرة أخرى.
إن الخروج من هذا الأزمة شأن أي أزمة اجتماعية يكون ضمن صراع القوى السياسية في المجتمع ومن "بيده الحل والعقد« ممن يملكون زمام الأمور في »الجمهورية الخامسة". ويبدو أن الكاسب من هذه المعركة إلى الآن هو وزير الداخلية نيكولاس ساراكوزي، ابن مهاجر هنغاري وسليل أسرة أرستقراطية فيها بوصف جريدة النيويورك تايمز (13/11)،
فبتصريحاته التي وصف بها شباب الأحياء الفقيرة المنتفضين "بالحثالة" فإنه كان يدغدغ مشاعر اليمين الفرنسي الرافض لوجود الأجانب، تطلعاً للانتخابات الرئاسية في العام 2007!!
ولعل تفجر صراع الأقلية في المجتمع الفرنسي ووجود مثل تلك المشكلة في جميع المجتمعات الأوروبية المتطورة يعيد إلى الأذهان ما طرحه المفكر الأميركي الألماني الأصل هربرت ماركوز في الستينات من أن قوى التغيير في المجتمعات الغربية المتطورة سيعتمد على الأقليات والشباب والمرأة. وقد يفضي تحرك الأقليات في المجتمعات الأوربية هذه الأيام إلى بعض التغيير في ملامح تلك المجتمعات.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com