الجدل الدائر في واشنطن بشأن ضرورة البحث عن مخرج مبكر من التورُّط في العراق، يعود إلى أكثر من سنة. ارتفعت وتيرته مع تراكم الخسائر وتصاعد العمليات ضد الاحتلال، بعد تجاوز عدد الضحايا من الجنود الأميركيين الألف؛ بدأ التململ يدبُّ في أوساط الكونغرس ووسائل الإعلام والرأي العام،

ثم نزل التأفف والرفض إلى الشارع، أم أحد الجنود الذين سقطوا على أرض العراق افترشت الأرض على مدخل مزرعة الرئيس في تكساس بانتظار موافقته على مقابلتها للتعبير له عن سخطها ومعارضتها للحرب، ثم انتقلت إلى واشنطن وكبرت الحركة لتتحول إلى تظاهرات. لكن الرئيس بوش مع إدارته، رفض البحث في الموضوع ناهيك عن فكرة الانسحاب المجدول، ولا حتى التقريبي.

أول من أمس حصل تطور جديد في هذا السياق، قد يكون بداية تحوّل يرغم البيت الأبيض على مراجعة سياساته وحساباته العراقية، مجلس الشيوخ في الكونغرس أخذ المبادرة وبعث برسالة قوية إلى الرئيس قد لا يقوى على تجاهلها، لكنها خطوة في الظاهر بريئة، أما في الجوهر فهي مفخخة.

منذ أشهر ارتفعت الأصوات في واشنطن ومن مختلف المواقع والألوان، بوجوب إحداث تغيير في سياسة بوش العراقية، منها من راح يطرح بالتلميح أو بالتصريح، خيار الانسحاب المجدول. وفي كل مرة كانت ذريعة الإدارة أن مجرد الحديث عن انسحاب ينطوي على محاذير، فهو لا بد أن يُفسَّر على أنه هزيمة.

كما ان من شأنه أن يعطي شحنة تشجيع للخصم وشحنة إحباط للقوات الأميركية. وقد تشبثت بهذا الموقف بالرغم من تزايد العمليات وبالتالي الخسائر، ثم حاولت الالتفاف على المطلب من خلال التأكيد بأن الانسحاب لا بد أن يحصل في الوقت المناسب، وبعد أن تصبح القوات العراقية الفتية قادرة على النهوض بالمهام الأمنية التي تقوم بها الآن القوات الأميركية.

مع انكشاف الكثير من فضائح التحايل الذي لجأت إليه الإدارة الأميركية لتبرير الحرب وتسويغها، ازدادت الضغوط على الإدارة وارتفعت درجة التململ في الكونغرس، وحتى في أوساط حزب الرئيس الجمهوري.

مجموعة من أركان الحزب في مجلس الشيوخ تقدمت، بالاشتراك مع الديمقراطيين بمشروع قرار أمام المجلس ينطوي على دعوة ضمنية لجدولة الانسحاب من العراق، نال عند التصويت 79 ضد 19 صوتاً، غالبية كاسحة معه، صحيح القرار غير ملزم للرئيس بوش، لكنه رسالة قوية لا يقوى على تجاهلها،

أولاً هو يعكس شبه إجماع وبقيادة الجمهوريين، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا الافتراق بين الرئيس وحزبه في أهم مؤسسة من مؤسسات صنع القرار الأميركي، وثانياً أن القرار جرى التصويت عليه أثناء غياب الرئيس في جولة آسيوية، وهي أيضاً من المرات النادرة التي يُصار فيها إلى اتخاذ قرار يخصّ السياسة الخارجية في لحظة وجود الرئيس خارج البلاد.

العراق تحوّل إلى عبء، والسنة المقبلة سنة انتخابات الكونغرس، وهذا الأخير وبالذات شقه الجمهوري، بات التصاقه بسياسة الرئيس العراقية خسارة مؤكدة.

لذلك كان هذا القرار الذي لا بد من الترحيب به، لكن في الوقت ذاته التنبّه له، فهو يدعو إلى تسليم العراقيين مسألة الأمن ونفض اليد الأميركية منها، من دون مصالحة وطنية عراقية شاملة يعني ذلك وصفة لاشتباك أهلي عراقي مرة أخرى الكرة في ملعب العراقيين وإلا وقعوا في الفخ.