قد أختلف مع قطاع كبير أو صغير من الكتاب والساسة في القول بأن الخلاف حول القانون المقترح للأحوال الشخصية المزمع إصداره لا يمكن له أن يحل بالتظاهر والاعتصامات، لأن المسألة بالنسبة لي على الأقل، أن التظاهر والاعتصام وقد يشمل ذلك الصراخ والعويل أحيانا،
وسائط مهمة للتعبير عن النفس والمواقف السياسية والاجتماعية المؤيدة منها والرافضة، بل انها تمثل طرائق مهمة للتفريغ عن الشحنات الانفعالية المحبوسة والمكبوتة. من هنا فأنا لا أختلف مع المعارضين في أن يكون من حقهم التعبير عن أنفسهم ومواقفهم بالوسائط المشرعنة دستوريا، وهو تقليد حضاري لا يمكن أن أعارضه إذا ما التزم المعارضون بالقانون وسلمية التعبير.
وهنا أشير إلى أن بعض الجماعات الأوروبية والأميركية تعارض الإجهاض والجنسية المثلية، وهم يعارضون أو يؤيدون ذلك بالتظاهر أو الاعتصام أو الكتابة. ولم يخلد إلى ذكري أن سمعت من يطالب بمنعهم من التعبير عن ذلك لسبب الاختلاف معهم.
إلا أن الأهم من كل هذا وذاك، هو أن النظام ليس ملزما بتبني موقف هؤلاء إذا ما افتقروا للأغلبية البرلمانية القادرة على فرض مشروعها أو تمريره أو إسقاط المشروع المضاد لها داخل أروقة البرلمان. وعملها في ذلك لا يدخل إلا في إطار عمل ما يسمى بجماعات الضغط الذي قد يوفق برهة ويخيب أخرى، بمعنى أن عملها يدخل في إطار التأثير على صاحب أو صائغ القرار وليس صناعته.
ومع ذلك فإن ما يثير الانزعاج كثيرا، هو الطريقة التي تم بها تقديم موقف الفئة الرافضة لمشروع القانون، أو قد يكون بتعبير أدق المطالبون باشتراطيته، وموقفهم الرافض للقانون رغم شرعيته إلا أن مضامين خطابهم الرافض قد حمل دلالات سياسية مهمة وخطيرة. فموقفهم المعلن يحمل دلالات ذات أهمية سوسيولوجية وسياسية، إذ أن موقفهم الرافض لا يقف عند رفض المشروع وتقديم ما تعارض من نصوص القانون مع النصوص الشرعية،
وإنما جاء موقفهم هذا محملا ضمنا الفئة أو الجماعة المشاركة في القانون والمؤيدة له من أن مشروعها بدا وكأنه خارج عن الشريعة الإلهية. فمن يطلع على اليافطات المرفوعة والنشرات الموزعة هنا أو هناك، أثناء المسيرة الأربعائية وقبلها، والكتابات التي جاءت بعدها ويحلل مضمونها لا يخرج إلا بنتيجة واحدة وهي أن الخلاف أو بالأحرى الصراع الدائر ولربما المحتدم بين الفريقين إن هو إلا صراع بين جماعتين: جماعة قد نصبت نفسها مدافعة عن الشريعة الإلهية ومعارضة للقانون ومطالبة باشتراطيته،
أي أنها في ذلك تضع نفسها فيما أسماها منظرو حركة الإخوان المسلمين بدار الإيمان، مقابل الأخرى الصائغة للقانون أو المؤيدة له وهي في ذلك أقرب للعلمانية منها لدار الكفر، كما يقول مرة أخرى حسن البنا، أو أنها إن لم تكن من هذا وذاك فإنها كما وصفتها ضمنا بعض اليافطات المرفوعة بأنهم ليسوا من الغيورين على دينهم وشريعتهم وعرضهم،
إذ أن إحدى اليافطات المرفوعة تقول "إلى كل الغيورين... شاركوا في المسيرة الجماهيرية.....". أي أن الذين لن يشاركوا أو يعارضوا القانون فهم على الأقل من غير الغيورين وهذا أضعف الإيمان، أو أن تقول يافطة أخرى "أهالي... مع قانون...مستمد من الشريعة الإلهية".. أو أن يقال في يافطة ثالثة...»لا لمشروع يحاول أن يعبث بشرع الله".
ويبقى السؤال الكبير هو هل الصورة الكبيرة التي يجسدها المشهد الدائر بين الفريقين أو الجماعتين هو حقا كذلك. فهل حقا الذين شاركوا في صياغة القانون أقل علما وغيرة على دينهم من الذين عارضوه، وإذا ما كان الأمر كذلك فهل يشمل هذا كل من صاغ وساهم في تأييد مسودات قوانين الأحوال الشخصية العربية والإسلامية التي بدت في بعض مواضعها متقدمة عن الحالة البحرينية والتي قال المعارضون عنها، أي قوانين الأحوال الأسرية العربية، ما قيل في الحالة البحرينية.
أي بتعبير آخر هل تأييد قانون للأحوال الشخصية يعني الخروج عن الدين أو هل يعني تأييد القانون المستمد من رؤى ومواقف من الشريعة التي قد لا يتفق معها البعض يعني معارضة الشريعة بشكل مطلق، أم أنه يدخل في إطار الاختلاف في الرؤية والاجتهاد.
أم ان التمثل الجزئي كما قال بعض الكتاب المحليين لا يخرج عن كونه تعبيرا لحالة الاحتقان السياسي التي جاءت فرصة الموقف من الأحوال الشخصية للتعبير عنها أو ليخرجها إلى السطح، بل بدت الرسالة السياسية فيه تقول إن تحريك الأحوال الشخصية يتطلب هو الأخر تحريكا "للأحوال الدستورية"..!، التي تمثل الجزء الأكبر من أجندة المعارضة. ولنا في مقال آخر تحليل لبعض الدلالات السوسيولوجية في الموقف المعارض.
كاتب بحريني