خمسون عاماً ونيف وإسرائيل تحتل الأرض وتشرّد الشعب وتقتل من أجياله وزهرات شبابه كل من تطوله آلة الحرب الصهيونية من الأرض.. من الجو.. من البحر والبر.
وخمسون عاماً ونيف وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها يعقد الجلسات العادية والطارئة ويناقش الوضع في فلسطين ويدين (العنف), لكن النقاش لا يرقى إلى مستوى اتخاذ قرار واضح ومحدّد, لا لُبس بريطانياً فيه, وعندما تسنح الظروف أو يكون العدوان شرساً لا يستطيع مجلس الأمن إزاءه التهرّب من مسؤولياته, يهم الجميع لاتخاذ قرار يُسقطه الفيتو الأميركي, وينتهي بعدها كل شيء والكل.. وأعني الدول الأعضاء, يفرك بيديه وكأنه يردّد لا حول ولا قوة?
خمسون عاماً ونيف وإسرائيل تحتل وتتوسّع, ثم تحتل وتتوسّع, حتى غدت على ما هي عليه ترسانة نووية تهدد الدول والشعوب, وما من مرة اتخذ مجلس الأمن قراراً يدين أو يستنكر, حتى عندما واجه مجلس الأمن مشروع قرار يدعو.. يدعو فقط إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل اختفى المشروع في الأروقة, وعاد الأعضاء يفركون أيديهم.. وانفضّ الإجماع والاجتماع معاً.
خمسون عاماً ونيف من الاحتلال لفلسطين, وثمان وثلاثون عاماً من احتلال الجولان, والاستيطان يتسرطَن فيه, وما من مرّة فكّر مجلس الأمن الاستناد في قراراته إلى أحكام الفصل السابع, وعندما اتجهت الظروف والاستهدافات نحو سورية, سارع المجلس إلى اعتماد صيغة أميركية كان من المفترض رفضها كلياً, واعتماد صيغة يُقدم على صياغتها طرف محايد مثلاً, واتجه مجلس الأمن إلى الفصل السابع الذي بدأنا التعرف عليه عندما بدأ الاستهداف للمنطقة العربية.
ليس وقت المفارقات الصارخة التي تكلل جبين مجلس الأمن منذ تأسيسه, أو منذ تأسيس إسرائيل, وكأن تأسيسهما جاء كي يخدم هذا الطرف ذاك وبالعكس.. ولكننا سنتوقف عند القرار الجديد 1636 الذي أصدره مجلس الأمن مؤخراً بحق سورية, على خلفية تقرير مفبرك لقاضٍ ألماني مشكوك في مصداقيته في ألمانيا, حيث تجري بعض هيئات المجتمع الألماني المدني محاكمته لمخالفته القوانين الألمانية, وارتباطاته مع مراكز أبحاث أميركية, يتقاضى منها ما يفوق العُرف الألماني بالمداخيل والمحسوب على أساس الرفاهية الألمانية.
فالقرار مشحون بأكثر من فقرة تستهدف سورية, أكثر مما هو مشحون بما يخدم قضية اغتيال الرئيس الحريري, والغريب أنه على الرغم من التشوهات القانونية المحمّلة على تشويهات سياسية فقد اتخذ القرار بالإجماع, وهذا يشير إلى حجم التدخل والضغط الأميركي, وحجم الجهد المبذول قبل الجلسة وخلالها.
أما وقد صار القرار واقعاً يجب التعامل معه انطلاقاً من احترامنا لقرارات الشرعية الدولية كافة, بلا انتقائية, ولا استنساب كما يفعل المجلس, فقد سارعت اللجنة القضائية المستقلة التي شكلها السيد الرئيس بشار الأسد إلى عقد اجتماعاتها, ووضع خططها ومعلوماتها المتوفرة, والتي ستتوفر بهدف التنسيق مع القضاء اللبناني, ومع لجنة التحقيق الدولية التي يرأسها ديتليف ميليس شخصياً.
لكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن المواطن السوري, وبدأ يبحث له عن جواب, هو ماذا لو تعمّد السيد ميليس القول بعد التعاون المطلق أن سورية لم تتعاون, وأن يعيد الكرة أمام مجلس الأمن من جديد بالزعم أن سورية لم تتعاون أو تعاونت ولكن ليس بالشكل المطلوب.. وما الشكل المطلوب ياترى..? وماذا لو كان الشق الثاني من التقرير الذي سيقدمه ميليس إلى مجلس الأمن في الخامس عشر من كانون الأول القادم مسيّساً, كما السابق, واستكمالاً له في الشكل والمضمون والأهداف..?
أليس من المفيد أن تكون هناك مرجعية قانونية - جنائية - دولية كانت أم إقليمية.. عربية كانت أم لبنانية تقرر.. أو تحكم.. أو تعيد النظر على الأقل بقرار التعاون المطلوب من عدمه, أو من عدم اكتماله, والتثبت من شروطه الجنائية والقانونية والقضائية, ولاسيما أن سورية شكلت لجنتها وشرعت بالعمل من خلالها وهي مصممة كل التصميم على التعاون.. ?
أليس من الأنفع والأجدى للتحقيق أن تكون تلك المرجعية صمام أمان لسير التعاون وأشكاله ومراميه وجدواه, بحيث تسهم في تصويب مسار التحقيق نحو الهدف المطلوب.. هدف كشف الحقيقة.. لا أكثر ولا أقل..?
ولماذا لا يكشف النقاب عن بقية القضاة أعضاء لجنة التحقيق, وعن سيرتهم الذاتية الشخصية والقضائية وعن مهامهم وكيفية الاحتكام بينهم والصيغ التي بها يتعاملون كمجموعة وكأفراد, والتأكد من خلو سيرهم الذاتية من الاشتباه السياسي, الذي يدفع الجميع إلى كل الاتجاهات باستثناء اتجاه معرفة المستفيد من جريمة اغتيال الرئيس الحريري.. ومن هو الجاني الحقيقي..?
كل شيء وارد.. ومحتمل.. بقي أن نشير إلى موقف آل الحريري, وتحديداً نجله النائب سعد الحريري, الذي أطلق موقفاً متزناً في القاهرة, أن يواصل التنبيه إلى عمليات تحويل دم الراحل إلى قميص عثمان, تستغلّه قوىً, وتستفيد منه قوىً, قد تتفق, وقد تتصارع اليوم أو غداً, لكنها في النهاية عمليات استثمار هدّامة, تريد تحويل استثمارات الحريري في البناء إلى استثمارات للفوضى الخلاقة التي ستمهد الطريق أمام فرض الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على المنطقة.. فلا تخلطوا بين الاستهداف الجاري التركيز عليه, وبين الحقيقة التي عنها نبحث معاً.