الاتفاق الذي تم التوصل إليه أمس بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتسهيل حرية الحركة في قطاع غزة، منه وإليه، خطوة ايجابية نأمل أن تتلوها خطوات أخرى ينتظرها الشعب الفلسطيني والعالم لتهيئة مناخ يشجع على السلام ويهيئ الأرضية لمباحثات أكثر عمقا، وأوسع آفاقا من مجرد الوقوف عند المعابر والحدود إلى تحريك مفاوضات الوضع النهائي، وإحياء أجندة خريطة الطريق، ورؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش لإقامة دولتين مستقلتين تعيشان جنباً إلى جنب.

ولكن السؤال الذي سيشكل اختباراً لجدية إسرائيل على مستوى هذا التفاهم الذي تم بوساطة أمريكية - أرهقت رئيسة دبلوماسيتها وحرمتها من النوم لمدة أربع وعشرين ساعة - هو هل سيصمد هذا الاتفاق أمام الخروقات الاسرائيلية، هذا الاتفاق الذي لا نرى فيه مغزى سياسياً بقدر ما هو مطلب إنساني في المقام الأول لفك الحصار الذي كان مفروضاً على قطاع غزة في ما يشبه العقوبات الجماعية والاقتصادية. أم أنه سيتبع سابقيه من الاتفاقات ليلقى به عرض الحائط في أول امتحان.

لقد عودتنا إسرائيل في مراحل صراعها مع الفلسطينيين على سياسة المفرقعات الإعلامية، حين تقدم على خطوة في ظاهرها التنسيق والتعاون، عندما تمر بلحظات تأزم دبلوماسي، وتدخل أمريكي، لتنقضها قبل أن يجف الحبر الذي وقّعت به، رغم أن أغلب هذه الاتفاقيات تكون منقوصة ومجتزأة في ما يتعلق بالحق الفلسطيني، وضامنة في مجملها للمطالب والشروط الإسرائيلية.

واتفاق الأمس لايخلو من هذه الشواهد، فهو وان كان فتح معابر غزة مع مصر وإسرائيل وأتاح للسلطة الفلسطينية صلاحية الشروع في ميناء غزة المعطل منذ انسحاب إسرائيل من القطاع في سبتمبر الماضي، أبقى للجيش الإسرائيلي صلاحية الرقابة الأمنية. وحق التدخل لاحتجاز من يشتبه به، سواء بواسطة كاميرات المراقبة التي سيتابع من خلالها المشهد عن قرب في غرفة تحكم لا تبعد سوى كيلومترات عن معبر رفح، أو بالتدخل عن طريق البعثة الأوروبية التي ستوكل إليها مهمة التنسيق الأمني بين الجهود الفلسطينية والاسرائيلية.

كان الأجدر بالأطراف الدولية (الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا) التي ضغطت من أجل تمرير هذا الاتفاق أن تقنع إسرائيل بضرورة منح السلطة الفلسطينية حرية السيطرة الكاملة على حدودها، إذا كانت تل أبيب جادة في السيطرة على طريق السلام وترى في السلطة شريكاً حقيقياً في هذا المسار، خاصة بالنظر إلى الكفاءة العالية التي أثبتها جهاز الأمن الفلسطيني مؤخراً في احباط العديد من الهجمات ضد إسرائيل، والتصدي للعديد من العمليات التي استهدفت مستوطناتها في الأراضي المحتلة. إن أي اتفاق يسير على هذا النحو، ووساطة تشجع عليه لن تقود إلى سلام عادل وشامل على الأقل في المستقبل المنظور.

وسد أفق السلام هذا الذي تعمل إسرائيل على إشاعته، يبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي كان رهان الإدارة الأمريكية عليه لدفع عملية السلام قد تجرع مرارته، عندما قال إن إسرائيل بتجنب محادثات السلام وإصرارها على نزع سلاح النشطاء قبل أي مفاوضات حول قيام الدولة الفلسطينية تدفع الفلسطينيين لحرب أهلية. الأمر الذي يؤشر على مدى محدودية الأمل في أي انفراجة سلمية.