لم تشأ السيدة كوندوليزا رايس أن تدع مناسبة مؤتمر »منتدى المستقبل« الذي اختتم في المنامة تمر دون استثمارها لمواصلة حملة التشهير التي تفرغت لها تماماً إدارة بوش ضد سوريا.

ومع تعدد جوانب الحملة إلا أن وزيرة الخارجية الأميركية فضلت هذه المرة أن تركز على سجل حقوق الإنسان في سوريا.. وذلك اتساقاً مع دعوة »الإصلاح« التي اتخذت عنواناً للمؤتمر.

ومما يضاعف من التساؤل والريبة أن السيدة رايس لم تشأ ـ في سياق حقوق الإنسان ـ أن تذكر بالاسم أي دولة عربية سوى سوريا تحديداً، علماً بأنه على خلفية انعقاد المؤتمر كانت وسائل الإعلام العالمية تتناقل أخباراً عن دولة عربية ينفذ فيها مئات من المعتقلين السياسيين إضراباً عن الطعام.

ودولة عربية أخرى تشهد حركة احتجاجية لعشرات من الحقوقيين يطالبون بالكشف عن مقابر جماعية وفردية دفن فيها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وبالطبع فإن كلا من هاتين الدولتين تخضع لنظام حكم تربطه علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة.

وإذا كان الهدف الرئيسي من عقد المؤتمر هو التبشير بدعوة إلى الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي فكيف يتمثل الحضور الأعظم للمشاركين في الأنظمة الحاكمة العربية نفسها؟

كيف، بكلمات أخرى، نتوقع من الاستبداد الحاكم أن يحول نفسه بنفسه إلى نظام ديمقراطي ـ بكل ما في النظام الديمقراطي من نشر الحريات العامة ومبدأ المحاسبة ومبدأ تداول السلطة سلمياً؟

من هذا المنظور نفهم مغزى المشاركة الأميركية الرسمية في المؤتمر، فبالرغم من شعار »الإصلاح الديمقراطي« الذي اختير للمؤتمر فإن النموذج الذي تريده الولايات المتحدة لدول العالم العربي هو "ديكور ديمقراطي" وليس نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الجاد.

إنها تريد بهرجة للشكل الديمقراطي خاضعة لسيطرة قوية من سلطة حاكمة ترى نفسها كأداة لخدمة الأهداف الاستراتيجية الأميركية الثابتة وفي مقدمتها ضمان أمن إسرائيل على حساب الحقوق العربية الفلسطينية.

لقد فشل المؤتمر أخيراً في تبني بيان ختامي بسبب خلاف نشأ بين الولايات المتحدة ودول عربية حول كيفية التعامل مع المنظمات غير الحكومية في بلدان العالم العربي.

فبينما تريد الولايات المتحدة أن تكون الحرية الكاملة في تمويل أي من المنظمات فإن الحكومات العربية رأت أن يقتصر أي تمويل خارجي فقط على المنظمات التي تحظى باعتراف حكومي.

ومن الواضح أن أياً من هاتين الرؤيتين لا تنبع من مبادئ الديمقراطية الحقة. فالحكومات العربية لا تريد منظمات غير حكومية لا تدين بالولاء الكامل للسلطة بينما لا تريد واشنطن سوى منظمات طوع بنانها، تأتمر بأوامرها وتنتهي بنواهيها. وبعد، فإن التغيير الديمقراطي في أي مكان وأي زمان هو مهمة الشعوب وحدها.