نجح "منتدى المستقبل" في فرض نفسه كخيار حضاري للتواصل بين دول الثماني المتقدمة ودول الشرق الأوسط الكبير. فعقد اجتماع المنامة وإعلان تأسيس "صندوق المستقبل" بمشاركة حوالي ثلاثين دولة وخمسين منظمة مجتمع مدني، رغم اعتراض عدد من الدول العربية على إعلان البحرين.

وتأجيل صدوره، يعني أن منتدى المستقبل سيصبح آلية للحوار الرسمي الحكومي وغير الحكومي حول مستقبل المنطقة الاقتصادي والسياسي والثقافي. ولذا على الدول العربية الانخراط بفاعلية في أعمال وحوارات منتدى المستقبل لتشارك في صيغة الرؤى المستقبلية للمنطقة العربية.

وفي تقديرنا ان هناك ثلاثة عوامل رئيسية ترجح استمرار أعمال منتدى المستقبل واحتمالية نجاحه جزئيا أو كليا في تحقيق أهدافه خلال السنوات المقبلة وأهم هذه العوامل هو الدعم الأميركي والأوروبي لفكرة أعمال المنتدى كمؤسسة سياسية للحوار.

وبلورة الآراء وإعلان النوايا والسياسات والاتجاهات التي على دول المنطقة بلورتها والاسترشاد بها. فبعد الأحداث الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، تم تكرارها في أسبانيا وبريطانيا، أصبحت الولايات المتحدة والغرب عموماً يدرك بشكل واضح أن الأعمال الإرهابية.

وإن كانت مدفوعة جزئيا بعالم التحيز الأميركي والغربي لإسرائيل، إلا أن جوهر الجذور الإرهابية متصلة بالتطرف الفكري، والحرمان الاقتصادي، والقمع السياسي في المنطقة العربية خصوصا والعالم الإسلامي عموما.

لذا فإن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية الحاضنة للإرهاب في المنطقة العربية، هي بيئة مصدرة للإرهاب، باسم الجهاد، ولدعم الدول الغربية لإسرائيل أو لبعض الحكومات العربية المستبدة.

ونظراً لترسخ مثل هذه القناعات لدى النخب السياسية الأميركية سواء في البيت الأبيض أو الكونغرس أو وزارة الخارجية، فاننا نعتقد أن الأميركيين عازمون على تحويل قناعاتهم ورؤيتهم السياسية حول فكرة منتدى المستقبل والشرق الأوسط الكبير إلى حقيقة واقعة.

وبلا شك نجح الأميركيون خلال العامين المنصرمين في إقناع العديد من الدول الأوروبية بنفس الرؤية سواء عبر اجتماعات دول الثماني في عامي 2004 و 2005 أو اجتماع حلف الناتو في اسطنبول في عام 2004.

ونتصور أن الولايات المتحدة قادرة على تحويل أفكارها بشأن منتدى المستقبل إلى واقع سياسي لسببين: أولهما لكونها دولة قوية ولديها إمكانيات اقتصادية وسياسية واستخباراتية قوية؛ وثانيهما.

وهو الأهم هو الطبيعة البراغماتية لطريقة تنفيذ السياسة الأميركية المعتمدة على استراتيجية المراحل والتدرج في تنفيذ الأهداف الجزئية، بعيداً عن الدعاية المبالغ فيها، مع استمرار ممارسة الضغوط الخفية عبر أدوات القوة الناعمة أحياناًَ.

أما العامل الثاني الذي يدفعنا لترجيح نجاح فكرة منتدى المستقبل، فهو تعدد اهتمامات وأنشطة المنتدى، ليشمل موضوعات اقتصادية وسياسية وثقافية. وحقيقة منذ المؤتمر الأول للمنتدى والذي عقد في الرباط.

والولايات المتحدة وبعض دول الثماني تعمل على تسويق فكرة المنتدى كمؤسسة لتبادل الأفكار والخبرات والدعم وتوفير المساعدات الفنية والمالية، وعلى هذا النحو لم تقتصر فكرة المنتدى على موضوع الإصلاح السياسي فقط.

وإنما وسعت أهدافه لأنشطة لتقديم مساعدات فنية واقتصادية وثقافية، وهذه قضايا تهم بعض الدول العربية والإسلامية التي تحتاج للمساعدات الأجنبية، لذا نتصور أن بعض هذه الدول.

وبسبب الحاجة ستجد نفسها مدفوعة لتأييد وتقبل فكرة منتدى المستقبل، وبالتالي المشاركة في أعماله حاضراً ومستقبلاً، الأمر الذي سيضمن استمرارية المنتدى خلال السنوات المقبلة.

أما العامل الثالث والأخير والذي سيساعد على نجاح فكرة منتدى المستقبل فهو عمومية وواقعية أهداف المنتدى. إن قراءة متأنية لمداولات وحوارات مؤتمري الرباط ثم المنامة، تشير إلى تفهم الدول الغربية لمقولة الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية، بل وخصوصية كل دولة عربية.

وبالتالي ليس المطلوب هو استيراد أو تطبيق حزمة إصلاحات محددة، بقدر الدعوة لتبني أفكار تساعد على خلق فرص للعمل والتنمية الاقتصادية، وتوسيع أطر المشاركة السياسية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

وتنمية ثقافة التسامح والحوار ضد ثقافة الكراهية والعنف. ولا شك أن مسودة إعلان البحرين حددت هذه الأفكار بلغة واضحة وصريحة كجملة مبادئ تعلن الدول التزامها بها.

وفي تقديرنا أن قطاعات كبيرة من النخب العربية والإسلامية تدرك وتطالب بمجموعة الأفكار السابقة على المستوى الوطني والعربي والإسلامي، بل إن النخب الإصلاحية طالبت بجملة الأفكار التي تضمنتها مسودة إعلان البحرين. ولكن هذا أيضاً لا يمنع أن البعض يشكك في جدية الولايات المتحدة في دعم تلك المبادئ.

ولذا يتصور البعض أنها وسيلة لابتزاز الحكومات العربية للحصول على تسهيلات عسكرية أو عقد صفقات شراء أسلحة، أو خفض أسعار البترول، أو تقليص الدعم للفلسطينيين.

ورغم ان هذه المخاوف والشكوك في النوايا الأميركية صحيحة وممكنة، إلا أنه في تقديرنا هناك حد أدنى من المطالب الأميركية سيتم تنفيذها عبر منتدى المستقبل، وستجد هذه الأفكار الدعم والمناصرة من قطاعات سياسية وثقافية كبيرة.

والسبب ببساطة شديدة أن تلك الأفكار والمبادئ أصبحت عالمية، فمع ثورة المعلومات وعصر العولمة، لا مجال للحديث عن خصوصية كلية أو مطلقة، فالقيم السياسية القادمة هي قيم عالمية، فكل البشر يتطلعون للحرية وينشدون في المساواة والكرامة في الحقوق الإنسانية.

لذا علينا في المنطقة العربية ـ حكومات وأفراد ـ أن ندفع بخلاصنا من قيم الاستبداد والإرهاب والانغلاق، وأن ننفتح على قيم العدالة والمشاركة والحرية السياسية، فهذه قيم إنسانية وليست غربية.

وليست أميركية أيضاً. لذا فإن شمولية وواقعية وعمومية أفكار وأهداف منتدى المستقبل ستساعد على تطبيقها وتقبلها في المنطقة العربية، حتى وإن تطلب الأمر بعض الوقت لتقبل الحكومات لفكرة التطور والتغيير والإصلاح.

ختاماً، لا شك أن أفكار »منتدى المستقبل« ستترك آثاراً على مستقبل المنطقة اقتصادياً وسياسياً، ولذا على الحكومات العربية أن تتقبل هذه الحقيقة بواقعية، وأن تشارك بديناميكية لبلورة الأهداف في سياسات إجرائية تدريجية لخدمة الإنسان العربي والأجيال المقبلة.

كاتب سعودي