"الفقر كفر" فلينتبه قادة الحرب على الإرهاب في واشنطن. قيل الكثير في وصف المناطق البائسة بمعامل انتاج التطرف والنقمة على الآخر المترف. وقيل أكثر في ضرورات تجفيف منابع الإرهاب بإزالة بؤر البؤس، لكن لم يبادر أي طرف الى أي فعل في هذا الاتجاه.

الآن بعدما صار العربي والمسلم بعد الغربي المسيحي، يتوجس في حياته اليومية من الركوب في طائرة أو حافلة أو حتى حضور حفل عرس، الآن حين يهرع العربي أمام شاشة التلفاز لحضن أطفاله وهو يشاهد أشلاء نظرائهم، لابد من مليون لجنة وجدانية لتقصي الحقيقة.

هل يكفي ان تبرع الحكومات الغربية ومعها العربية في وصف جذور الارهاب وبواعثه والمطالبة بحلف دولي جديد لاجتثاثه؟ هل تكفي المحاولات الرسمية لبلورة حالة شعبية نابذة لاتباع الفكر الانتحاري؟

حتى أبرع مخابر غسيل الأدمغة، تعجز عن إلغاء المقارنات في أذهان العامة، أو التي تحمل في طياتها تبريراً مبطناً لإرهاب الانتحار، من مثل "آلاف العرب والمسلمين يقتلون ليل نهار في العراق وفلسطين وأفغانستان".

خطورة هذه المقارنة تصل الى حدود تدميرية مرعبة.حركات التطرف، ليس في مقدورها بتاتاً تسويغ أي أرضية عقائدية أو فكرية لمخططاتها وتفجيراتها، من دون هذه المقارنة، التي تشتغل عليها لجهة تغذية إحساس الشباب المتحمس الساذج بعقدة الظلم والاضطهاد وصولاً الى دفعهم الى الانفجار انتقاماً بعد احتقان نجح في نسف أسس التفكير العقلاني.

هذه المقارنة الخطرة "يقتلوننا فلننفجر في وجوههم" تحل تدريجياً في نفوس الأجيال الجديدة محل "الطهر الثوري" في النضال لرفع الظلم. فإذا كان المحتل بشعاً في ممارساته فإن المقاوم نبيل في غاياته وأدواته الكفاحية.

وإذا ما انزلق المقاوم مثلاً الى أساليب وأدوات المحتل الفاشية فانه لا يعدو كونه أكثر من صورة مشوهة لهذا المحتل. تالياً فإن الصراع يصبح بين عصبتين متشابهتي الأهداف والأدوات وتختفي تدريجياً عدالة القضية. ولدينا حديثاً مثالان لهذا الوضع:

الأول: تفجير فنادق في الأردن، الاحتلال الأميركي للعراق يشكل نموذجاً لقضية تحرر، لكن كيف يمكن الاقتناع بأن قتل أطفال ونساء في حفل عرس يخدم هدف تحرير العراق؟

الثاني: اشتعال حرائق الغضب في فرنسا. التهميش والعنصرية ضد الفرنسيين من أصول عربية وافريقية يشكلان قضية تتصل بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، لكن كيف يمكن إقناع الرأي العام الفرنسي بأن حرق آلاف سيارات لمواطنين عاديين يوصل الى هدف العدالة.

ناهيك عن الحديث الدائر عن أصابع إجرامية تتصل بالمخدرات وراء الحرائق هذه في أبشع استغلال لقضية عادلة.جوهر الخطورة في الحالتين يكمن في وجود حركات او عصابات تستثمر مقارنات الظلم والعدالة لحرف النضال عن نبل أهدافه وتشويه مشروعيته بأدوات قذرة.

كل الأطرف القادرة، لا تستطيع التنصل من دورها في ضرورة القضاء على البؤس أولاً، وإحلال السلام بإنهاء الاحتلال في البؤر المشتعلة، والأهم فك قيود الرأي الثالث لقول كلمته الرافضة للإرهاب والمخططات الغربية معاً.