تمرّ بي الذكريات متباطئة عن عمّان، وأمام ناظريّ أيام عشت فيها متعة العيش بين قوم طيبين، لا يعرفون الغلظة ولا الجفاء والأحقاد ، نهلت من علم جامعتها العريقة، تلك الجامعة الجميلة التي تشبه حديقة وارفة الظلال ترتفع فيها أشجار الصنوبر تطاول عنان السماء.

وكم تعود بي الذكريات إلى أيامها الممطرة والشجر يستحم بهبة السماء ، وأما المنظر الذي لا يبرح الذاكرة أبداً فهو منظر الثلج ناصع البياض حين يغطي رؤوس الأشجار المرتفعات حينها كنا نشعر بأن قلوب البشرية كلها قد اغتسلت من الأدران والأحقاد، وامتزج الفرح الإنساني بكل ذرة من ذرات الحياة .

ولكأن بيوت عمان الحجرية الجميلة تعيش طقس بعث، أو إعادة اكتشاف لا أدري كيف مرت بي هذه الخواطر وأنا أستفيق من هول الصدمة التي خلفتها أحداث عمان الدامية في ليل الأربعاء، الأحداث التي زرعت الرعب في ليل المدينة الآمنة المطمئنة، وحولت أفراحها إلى مواسم حداد.

وجعلت الضحكات التي ترن في الأعماق أجراس بكاء لا يتوقف، وزرعت الدهشة في صدور العقلاء والباحثين عن الحكمة وفصل الخطاب، فغدا ذوو اللب يتخبطون في عمياء مظلمة حيارى لا يسألون ولا يجيبون.

والذي يفوز بغنيمة السؤال يقول ما الذي جعل هؤلاء الشباب الذين يستقبلون الأيام ولا يستدبرونها يحيلون ليل عمان المبتهجة المضيئة إلى ظلام ودماء وأشلاء؟

لا نبحث عن إجابة عن سؤال، ولا نسأل عن أية أسباب أدت إلى نشوء هذه الظاهرة التي تبدو عاصفة تهزّ كل الثوابت والعقائد والمعطيات، فلعل باحثين في العقائد والسياسة والاقتصاد والتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع يقدمون لنا البيانات والتحليل والتفسير والنتائج بعد الفرضيات. ولكن السؤال الذي أسأله ببراءة أقرب إلى السذاجة: هل تعرف الأمم في أوقات عنفوانها ومجدها وقوتها أفعالاً بمثل هذه القسوة، حين تختلط القيم والأهداف والنتائج.

ويطال القصاص المذنب والبريء والعدو والصديق والمخاتل والمناضل ؟ أنحن في زمن الانحطاط الحقيقي وقد علمونا كذباً أن زمناً مر منذ أكثر من ثلاثة قرون كان اسمه زمن الانحطاط .

لا أبحث عن الأسباب، فالعلماء والمفكرون مدعوون للبحث عن الأسباب، ولا شك أن كل فعل له سبب ونتيجة أما النتائج الظاهرية السطحية فقد عرفناها وأما الأسباب والنتائج الحقيقية فعلمها لا تطاله عقولنا .

ولا ما أوتينا من قدرة على تحليل الواقع وفرز معطياته ومحاكمتها، إنه شيء يتجاوز قدرة الإنسانية في الإنسان؛ لأنه لا شيء – مهما كانت قوته وعمقه- سيتمكن من أن ينتزع من أفئدتنا قبولا أو من عقولنا إدراكا لمثل هذا القبح والتدمير.

لا يختلف اثنان على أن هذه الليالي الدامية كان حصيلتها من الأبرياء الذين لم يكونوا من جناتها، علم الله، ولكنهم صلوا حرها في هذا الزمان العجيب المريب ، هذان العروسان اللذان خيم على ليلهما الرعب والموت والدم والحداد .

وهذا المهندس الشاب الذي يحلم بالغد الآتي غد العمل وغد الوطن وغد الشعب السليب، وهذه الفتاة التي طيرها الموت في الظلام وهي تعدو لتبرد حر شوقها بملاقاة والدها المخرج الذي ما عرفنا نظيراً له في السياسة والإعلام : مصطفى العقاد .

أي خسارة ألمت بالأمة من أدناها إلى أقصاها بقتل مصطفى العقاد؟ كان مصطفى العقاد يمثل جيشاً جراراً من الإعلام الحصيف العقلاني المستنير، الذي عرف مكامن الخطر في إعلام الغرب الذي يضخم العيوب والزلات، ويمحو أي أثر لأية فضيلة إنسانية أو أخلاقية.

ويكفي العرب والمسلمون أنهم ابتلوا بأعتى الأجهزة الإعلامية وأكفأ الطاقات العلمية والثقافية التي تحرف الكلم عن مواضعه، وتدس السم في الدسم وغير الدسم من أمثال المؤرخ الصهيوني العجوز برنارد لويس أستاذ الجيل الجديد من المحافظين الجدد في أميركا.

دخل مصطفى العقاد إلى الآخرين في عقر دارهم مسلحاً بثقافة عريضة عنهم وعن تراثه وواقع أمته، وتحاور بثقافته وحضارته مع جوهر ثقافتهم وما يتغنون به من حضارتهم، مسلحاً بالوعي العضوي والثقافة المنفتحة على آفاق العصر، وتمكن من أن يقول كلمته بلغة تدخل إلى العقول والقلوب فلا تغادرها إلى أمد طويل .

قدم بطولات تحمل في ثناياها النضال الحق والجهاد المستميت في سبيل الحرية والقيم الخيرة كما في فيلمه "عمر المختار" وقدم أنبل القيم في التضحية والانتصاف للعدل والقيم العليا كما في "الرسالة".

وفي موجة عارمة قادها العالم كله ضد الإسلام الذي نشر مبادئ الحق والعدل والحرية والأخوة ونصرة الضعفاء والمظلومين هال مصطفى العقاد أن يرى المنطق ينقلب ماشياً على رأسه فيتهم دين التضحية والسلام بالإرهاب فقرر أن يرد السحر على الساحر بتقديم نموذج العدالة والحق واحترام كرامة الإنسان "صلاح الدين الأيوبي".

كان يسعى في رحلاته لتحقيق هذا الغرض، ومن المؤكد أن زيارته لعمان في هذه الليالي الدامية كانت تصب في هذا المسعى النبيل ، ليقول للعالم كله هذا مثلنا في يوم كان مثلكم الوحشية والعدوان في عصور الظلام.

لقد كان مصطفى العقاد صوت العروبة الصافي والإسلام الذي استقر في قلوب مايزيد على 80 % من المسلمين بلا حرب ولا قتال، بل دخل هؤلاء في دين الله أفواجاً لقاء قدوة حسنة وخلق نبيل وسجايا لم يعرف لها تاريخ البشرية أي مثيل .

وفي هذه الليالي التي أدمت قلوبنا من الأعماق ماذا نقول لمن قلبوا الأفراح أتراحاً، وضحوا بكوكبة من المثقفين والأبرياء سوى أن يغفر الله لهم ما جروا على أنفسهم وأن يهديهم الله شديد الطول سواء السبيل ولعمّان الجميلة الآمنة المطمئنة أن يحميها من كل مكروه، وأن يتقبل الذين قضوا في لياليها الدامية في منزل صدق مع الأنبياء والشهداء والصديقين .

جامعة الإمارات