حتى الكوارث يمكن ان تنطوي على شيء من الايجابية، والذي وقع من عدوان اجرامي ارهابي علينا قبل أيام آلمنا وحز في نفوسنا وأغضبنا، ولكنه فتح اعيننا على كثير من عناصر قوتنا التي لم نكن نلتفت اليها مع انها تشكل موقفنا الكلي للدولة الاردنية التي ظلت مستهدفة منذ تأسيسها يتداول الخصوم على معاداتها لا لشيء الا لأنها تحمل مسؤولياتها الوطنية والقومية وتمارس حقوقها في نطاق النظام العالمي بعيدا عن الكذب والمزايدة والمتاجرة بمصائر الشعوب العربية وقضايا الامة.
عقود مرت ولم يحقق الذين زايدوا على الاردن شيئا مما ادعوه لأنفسهم، وظلت اوساط في هذا الفضاء العربي تتبجح بالتحرير والمواقف البطولية في حين كان الجيش والشعب الاردني وحده يقاتل الى جانب الشعب الفلسطيني ويحتفظ ببقية من الارض التي احتلت عام 1967 ومنها القدس الشريف، ولما كان صوت المعركة اعلى من صوت العقل والمنطق، ولما كانت القدرات العسكرية تقاس بالعاطفة والحمية كان الذي كان وظل مدعو التحرير يجربون قدراتهم الفائقة بهذا البلد فكان صموده نابعا من صدقه وكان انهيارهم نتيجة لكذبهم.
وفي قضية العراق الذي تحول الى ساحة من نار ودم وبارود كان الاردن يحذّر من ايام كهذه يختلط فيها الحابل بالنابل وتنهار فيها القيم الانسانية الى الحضيض فتهبط الى هذا الواد السحيق من الكفر والادعاء على الله وعلى دينه الحنيف من خلال تلك الجماعات التي لا ينحصر خطرها في الجرائم التي ترتكبها بل في انتهاكها الصارخ للقيم الانسانية واساءتها للاسلام والمسلمين على مدى من زمن لا ندري كم يطول.
ولقد نابنا من تداعيات تلك القضايا ما يضيق بذكره المجال، وكان الرهان من القريب والبعيد والعربي والاجنبي، والقوي والضعيف على ضيق امكانيات بلدنا وضعف موارده وصغر حجمه، وكان في المقابل الفشل والخسران والانكفاء لكل اولئك الذين عادوه ظلما وجورا بسبب عناصر قوته الاخلاقية والموضوعية.
فالنظام الهاشمي الذي حوله المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه والذي احتفل الاردنيون بكل اعتزاز بذكرى مولده امس منهجي قيادي نهضوي ازال كل الحواجز الموجودة عادة بين الناس وانظمة الحكم، وجعل علاقته بالشعب الاردني علاقة مباشرة تضم الجميع في كنف الاردن الوطن والبيت الذي يعيش فيه الاردنيون ويقيم معهم الاخوة والاصدقاء اهل بيت وعلى الرحب والسعة.
لقد كان الحادث الاجرامي مناسبة لكي نقرأ المشهد الاردني من جديد فنراه رائعا اذ تتحد فيه الدماء لتشهد على انها من عروقه طاهرة زكية، ولتظهر اللحمة قوية في الاسرة الواحدة الموحدة فتتسع قرابة الشهداء والمصابين لتصبح كل الامهات الاردنيات اما واحدة وكذلك الاباء والابناء فكان الاردن كله بيت عزاء مؤمنا صابرا مرابطا، وكانت وحدتنا الوطنية والروابط التي تجمع بين الاردنيين اقوى من رياح الفرقة ووساوس الشياطين.
وكان نظامنا الامني منيعا يواجه الحالة الطارئة والفاجعة بكفاءة واقتدار وكذلك المؤسسات الطبية والدفاع المدني وظهر جمهور الناس جزءا لا يتجزأ من الحالة الامنية وعمليات الانقاذ ورفع المعنويات ومن ثم التعبير عن الانتماء الوطني واسماع صوت الغضب والتعهد بالدفاع والذود عن الوطن مهما كانت التضحيات، كل ذلك في اطار مشهد غير آني وانما هو دائم راسخ قوي نفض عن نفسه الغبار لكي نراه بوضوح.