عندما عرضت وسائل الإعلام المختلفة مشاهد فيلم يصور تعذيب خادمتين لطفلة إماراتية، اقتحم الرعب كل منزل في الإمارات، واعترت الجميع حالة اكتئاب لم تفارقهم ولن تفارقهم، وشعر الآباء والأمهات بحالة ذعر لا مثيل لها.

وشعروا بحالة غضب صوبوها نحو كل الجهات المسؤولة في الدولة عن العمالة والتي تتابع قضاياها، وكل الجهات التي تعنى بالمرأة وقضاياها.

واعتبرتها مسؤولة عما حدث، مسؤولة عن بطش العمالة التي نبالغ في الإحسان إليها فتقابل هذا الإحسان بالسوء، مسؤولة حينما تكتفي في معاقبة هذا النوع من العمالة بتسفيرها..

مسؤولة حينما تبرر تلك الممارسات البشعة بكونها ناتجة عن ضغوط نفسية تتعرض لها العمالة نتيجة اغترابها رغم أننا لم نجبرها على هذه الظروف، مسؤولة لأنها حرصت على التأكد من حسن معاملة المخدومتين على الرغم مما بدر منهما، مسؤولة بفرض نظام العمل وساعاته الذي حرم الأم الموظفة من حق حضانتها.

وبقائها مع أطفالها في سني عمرهم الأولى، مسؤولة حينما لا تعطي قضايا كهذه اهتمامها الأكبر على الرغم من أنها قد تقع في منزل كل واحد فينا، مسؤولة عندما لا تضع قوانين وعقوبات رادعة لكل من يفكر في تعريض فرد من أفراد الدولة، مواطناً أو مقيماً، لمثل ما شهدناه وما سمعناه، وما لم يبرح ذاكرتنا وأسماعنا منذ تلك اللحظة.

هذا الفيلم نقل صورة واضحة وصادقة لاستهتار العمالة بنا، وحمل رسالة خاطبت فيها ابنة الثالثة شعباً تمنت إلا يكتفي بمشاهدتها وهي تتعذب وتُضرب ويّتمنى لها الموت، شعباً توقعت رفضه لهذه الممارسات.

ومطالبتها بحقوق الإنسان التي تنتهك من قبل هذه العمالة التي ندافع ونطالب بحقوقها ليل نهار على أرضنا وبكل الإمكانات والقوانين المتاحة لدينا والتي نستحدثها ونسنها من أجل الحفاظ على حقوقها.

إن حقوق الإنسان وحقوق الطفل مطلب غالٍ وقيمة لا يتنازل عنها تحت أي مسمى. وعرضُ صور تنتهك هذه الحقوق والإنسانية وبراءة الطفولة لابد وان نخرج منه برسائل إلى أعلى المستويات. فكلنا آباء وكلنا أمهات وكلنا مسؤولون عما حدث وما سيحدث مستقبلاً إن لم نضع حداً لتلك الممارسات.

لم يكن عمل المرأة يوماً في الدول المتقدمة التي تقيم وزناً للإنسان مبرراً لأن يمارس الخدم هذه الأفعال الشنيعة ضد أبنائها، ولم يكن عملها سبباً في حرمانها من حضانة أطفالها ورعايتهم في سني عمرهم الأولى.

ولم يكن عملها ومشاركتها في بناء المجتمع سبباً لهدم منزلها وإضاعة فلذات أكبادها، ولم تكن مشاركتها من خلال الوظيفة في تحمل أعباء الأسرة والحياة الزوجية سبباً لأن توجه إليها الاتهامات في تقصيرها نحو أبنائها ورعايتهم.

الآثار السلبية لهذا التعذيب لم تترك أثراً في جسد طفلتنا البريئة. ونحمد الله على لطفه وعنايته التي حالت وحدها دون ذلك ومنعت ما هو أكثر من ذلك. هذه العناية الإلهية التي أنقذت جسد طفلة بريئة يعتصر آلاماً نفسية وعصبية تفوق طاقته ولا نراها.

جسد طفلة ربما لم يعبر بصورة كافية عن مشاعر الغضب التي يحملها في قلبه نحو مجتمع سلبي. ونحن واثقون من رؤية تلك الآثار مستقبلاً واضحة وضوح الشمس في سلوكها وفي نظراتها وثقتها في كل من حولها.

إننا لا ننتظر آثاراً جسدية تكون دليلاً على تعذيب وممارسات الخدم السلبية ضدنا، ولا ننتظر كاميرات تصور تلك المشاهد المرعبة، لكننا ننتظر عقوبات وأنظمة وقوانين تحد وتمنع انتهاكات العمالة العابثة بنا وبمصالحنا وبأمننا واستقرارنا.

إننا لا ننتظر أن نرى جثث أبنائنا في منازلنا لنكتشف أن هذه العمالة بدأت تمارس أشد أنواع العنف في عقر منازلنا حالها حال أي عمالة تمارس العنف في شوارع فرنسا وغيرها.

فالمشاهد التي نقلها تلفزيون دبي ليست إلا صوراً شبيهة بصور العنف الذي تضربنا به تلك العمالة وسط غيابنا عن منازلنا لخدمة أوطاننا. الأسر في الإمارات وخارجها كانت تترقب مشاهدة ذلك الفيلم. دعت الخادمات لمشاهدته لتريهن ان عيوننا لا تغفل عن ممارسات بشعة يرتكبنها.

وتحفّزت الأسر لتجد ما يثلج صدرها وانتظرت، ثم انتظرت لتسمع عن عقوبات أو إجراءات تتخذ في حق هذه المخدومة غير بقاء القضية على ذمة التحقيق، لكنها فوجئت بتلك المشاهد تنتهي بلوم الأم وتبرير فعل المخدومة بشكل أو بآخر.

الفيلم رسالة وجهتها الطفلة إلينا جميعاً، مسؤولين، آباء وأمهات، إعلاميين وتربويين، رسالة واضحة تقول إن قيمة الإنسان كبيرة لا تعادلها أي قيمة أخرى، قيمة تسمو وترتقي عن قيمة الحيوان الذي تطالب بعض الدول الأخرى بحقوقه، وتقيم الدنيا ولا تقعدها اذا ما حاول أحد النيل منها.

فهل تبقى هذه المشاهد مجرد مشاهد لا تتخذ إجراءات صارمة ضدها فتتبعها مشاهد أشد قسوة وأكثر إيلاماً تنخر في سلامة مجتمعنا واستقراره؟ أم أننا سنتحرك كمجتمع يضع حداً لهذه الممارسات التي لا نقبلها ولن نقبلها ولا نريد الاكتفاء بعرض مشاهدها.

Maysaghadeer@yahoo.com