يذكر التاريخ باعتزاز أسماء الملوك والقادة السياسيين العظام الذين ساهموا في صنعه، ويعدد الأدوار التي قاموا بها والمعارك التي خاضوها، كما يذكر أيضاً أسماء أهم المخترعين ويعدد اختراعاتهم ويشرح انجازاتهم وأهميتها في حياة الناس وتقدم العلوم والفنون.
ويركز التاريخ بشكل خاص على إسهامات القادة السياسيين وغير السياسيين في تحويل مجرى الأحداث وتغيير أنماط الحياة في المجتمع. لكن تاريخ العصر الحديث الذي يعيش حالة من التغير والتطور المتواصل لم يعد قادرا على تسجيل اسماء مخترعي التكنولوجيات التي تصل الأسواق تباعا .
وبشكل يومي لا ينقطع، بل لم يعد قادرا حتى على التعرف على هوية أكثر المخترعين والمبدعين ومدى إسهاماتهم في مجالات التخصص المختلفة. إن تسارع عمليات التصنيع والتقدم العلمي منذ منتصف القرن الثامن عشر، وحدوث تراكمات معرفية وتكنولوجية كبيرة للغاية خلال القرن الماضي أدت إلى تكاثر أعداد المخترعين وتوالد المبدعين بسرعة هائلة.
وحيث إن سنة التطور جعلت التقدم العلمي يسير يدا بيد مع التطور الثقافي والاجتماعي، فإن تحرير العلم من كبت الجهل كان مصحوبا بتحرر الإنسان من كبت السياسة والقادة السياسيين أيضا.
من ناحية ثانية، حتم تكاثر العلماء وتوالد المبدعين والمبتكرين بسرعة وفي كل مكان من العالم تطوير آليات العمل الجماعي وبناء مؤسسات الأبحاث العلمية والتطوير التكنولوجي الكبيرة وتواصلها مع بعضها البعض.
ومما سهل إقامة قنوات التواصل بين العلماء ومؤسسات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي عبر الحدود السياسية والحواجز الجغرافية حدوث ثورتي الاتصالات والمعلومات اللتين جعلتا التعاون أمرا طبيعيا والتواصل آنيا والفوائد متبادلة.
وفي الواقع لم يعد بإمكان أي فرد، مهما بلغت قدراته العقلية والجسدية، القيام بمفرده بعمل ما من شأنه تغيير مجرى التاريخ أو إحداث تحولات جذرية في حياة المجتمع.إن تحرير الفرد من أنظمة القهر السياسي والكبت الاجتماعي مهد الطريق لقيام الأحزاب السياسية وتأسيس الديمقراطية وبلورة فكرة القيادة الجماعية.
وهذا أدى بدوره إلى تراجع دور القيادات الفردية من ناحية، ونمو الأحزاب والحركات السياسية من ناحية ثانية، وعمل في الوقت ذاته على إضعاف مؤسسات القمع التي كانت تستخدمها السلطة السياسية ضد الشعب.
إضافة إلى ذلك، ساهمت التطورات المجتمعية التي قامت بتحرير الفرد من مؤسسات القمع السياسية وممارسات الكبت والقهر الاجتماعية في سلب الأفكار المتطرفة والعنصرية والسلطوية عامة ما كانت تتمتع به من شرعية، مما جعل التطرف والعنصرية مواقف مكروهة ومسلكيات خارجة على القانون.
إن غياب المؤسسية في الماضي، واعتماد القيادات في العهود شبه القريبة على شرعية دينية أو وراثية تراثية كان سبباً في ظهور القيادات السياسية المطلقة.
واستيلائها على السلطة في المجتمع وانفرادها في اتخاذ القرارات المصيرية. ولقد كان قادة الماضي يتفاخرون بامتلاك السلطات المطلقة وممارسة الحكم بشكل فردي واتخاذ القرارات المصيرية وشن الحروب دون الرجوع للشعب.
لكن، ومهما ادعى قادة الماضي السياسيون من سلطات مطلقة وممارسات استبدادية، فإن إمكانياتهم على استعباد الشعوب وممارسة الحكم بصورة مطلقة بقيت محدودة إلى حد كبير وذلك بسبب تخلف طرق المواصلات ووسائل الاتصال والانتقال وجمع المعلومات في حينه.
لقد قامت ثورتا الاتصالات والمعلومات، ومن قبلهما ثورة المواصلات، بالإسهام الفاعل في تسهيل عمليات التنقل والاتصال والتواصل بين الناس، وذلك إلى جانب تطوير شبكات التجسس وزيادة كفاءة نظم ومؤسسات القهر السياسي والكبت الاجتماعي.
لذلك شهد العصر الحديث ظهور القائد المطلق الذي مكنته الظروف والتكنولوجيا الصناعية والتنظيمية من ممارسة البطش والاستبداد، وذلك على خلاف مثيله الذي حكم في عصور ما قبل الحرب العالمية الثانية.
وبقي يتمتع بقدرة كبيرة على الادعاء بالهيمنة المطلقة، ولكن بإمكانيات تكنولوجية ولوجستية ضعيفة ومحدودة لممارسة الاستبداد وتجسيد إدعاءاته على أرض الواقع.
وعلى سبيل المثال، لم يكن في مقدور أي ملك فرنسي أو سلطان عثماني ارتكاب جزء قليل من الجرائم التي ارتكبها ستالين في روسيا أو هتلر في أوروبا أو صدام في العراق.
إن القيادات المطلقة التي تؤمن بحقها في ممارسة الحكم الفردي، ولا تتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم بحق الشعوب لا تولد ولا تنمو ولا تترعرع إلا في ظل سيادة أيديولوجيات مطلقة تؤمن بالحتميات التاريخية ودور القائد في صنع التاريخ.
ويمكن تصنيف الأيديولوجيات المطلقة التي ظهرت عبر التاريخ ولعبت دوراً قيادياً في صنعه وقامت بارتكاب مجازر لا تحصى في أيديولوجية عقائدية دينية تؤمن بأنها.
ودون غيرها، تملك كل الحقيقة فيما يتعلق بالحياة والكون وما بعد الحياة، وأيديولوجية سياسية-اجتماعية تؤمن بأن كل شعب يشكل قومية مميزة وأن من حقه إقامة دولته القومية على أرضه وتصريف أمورها بما يعزز شأن الأغلبية.
وأيديولوجية اجتماعية-اقتصادية تؤمن بوجود الطبقية في المجتمع وبحتمية الصراع بين الطبقات، وأيديولوجية اجتماعية-ثقافية تؤمن بتفوق بعض الأجناس الإنسانية على غيرها من أجناس أخرى وبحق الجنس المتفوق في حكم الآخرين واستعبادهم والتخلص منهم عند الضرورة.
تشير أحداث التاريخ القديم والحديث على السواء إلى أن الأيديولوجيات جميعا تحمل في طياتها بذور العداء والكراهية للآخر، وتعكس تصرفات قياداتها نظرة استعلائية وممارسات عنصرية.
وهذا يجعل كل الأيديولوجيات، وبغض النظر عن منطلقاتها الفكرية ومواقفها الاجتماعية وممارساتها السياسية والاقتصادية، ترتكب الحماقات أحيانا، والمجازر أحيانا أخرى، وذلك دون إحساس بالذنب.
وعلى سبيل المثال، لا تزال اليابان مترددة في تأدية واجب الاعتذار للشعب الكوري بسبب القيام باستعماره واستخدام بعض نسائه للترفيه عن جنودها، ولا تزال أميركا غير معنية بالتكفير عن جرائم الحرب التي ارتكبتها بحق شعب فيتنام.
ولا تزال إسرائيل ترفض رفضاً باتاً، ليس فقط واجب الاعتذار عما ارتكبته ولا تزال ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين، بل وأيضا مجرد الحديث عن حق الشعب الفلسطيني في الحصول على اعتذار إسرائيلي.
حين تقوم أية حركة سياسية بالجمع بين أيديولوجيتين، فإن النتيجة تكون آلة إجرام عسكرية تؤمن بحق الهي في السيطرة على الغير، ولا تتورع عن ارتكاب الجرائم واستخدام العنف للوصول إلى أهدافها.
وهذا ما فعله الصرب في يوغوسلافيا، وما فعله اليهود في فلسطين، وما تفعله إدارة الرئيس بوش في العراق، والذي لم يكن سوى صدفة تاريخية محزنة ومؤلمة لأميركا وللعالم أجمع.
professorrabie@yahoo.com
* أكاديمي أميركي من أصل عربي