تبدو العولمة الاقتصادية أكثر قابلية للتحقيق, وذلك من خلال الوقائع والمتغيرات التي يشهدها العالم كل يوم، بينما التحدي المطروح على الغرب والولايات المتحدة خصوصا، هو عولمة الثقافة الغربية متمثلة في النموذج الأميركي وجعلها بديلا عن الثقافات الأخرى:
أي جعل تلك الثقافات مجرد ثقافات شعبية لا تصلح إلا للتواصل بين أبنائها في شؤونهم اليومية الصغيرة، ولكنها ليست الثقافة التي تعبر عن السلطة المعرفية والسياسية والاقتصادية، فالثقافة تعتبر عاملا حاسما في عصر العولمة.
وهي المسؤولة عن الكثير من النزاعات التي بدأت تظهر في هذه المرحلة أكثر من العوامل السياسية والاقتصادية فالصراع الأشد في عصر العولمة سيكون ثقافيا أو ما يصفه بعض مثقفي الغرب بالحرب الباردة الحضارية التي تنتج عن الهجرة وتصادم الثقافات فيؤدي ذلك كما يرون إلى نوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز والأطراف.
لعل صدور أطروحات من قبيل صدمة الحضارات ومفاهيم من أمثال الحرب الباردة الثقافية عن بعض مثقفي الغرب، يكشف عن اللاوعي وعن الروح التي تواجه بها ثقافة الغرب الثقافات الأخرى في عصر العولمة.
بل يضعون تصورا متكاملا لمخطط سياسي اقتصادي عسكري للمحافظة على مركزية الحضارة الغربية وفرادتها، يرتكز على تحقيق تكامل اقتصادي وسياسي عسكري للحيلولة دون استغلال دول الحضارات الأخرى الاختلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وتشجيع تغريب أميركا اللاتينية إلى جانب كبح القوة العسكرية للدول الإسلامية والحيلولة دون تكامل الصين واليابان وذلك للمحافظة على التفوق التكنولوجي والعسكري على الحضارات الأخرى.
لقد استطاعت أوروبا طوال خمسة قرون من السيطرة السياسية والاقتصادية على الشعوب الأخرى أن تنسج علاقة تبعية بين ثقافات هذه الشعوب وبين الثقافة الغربية.
بحيث لم يكن بإمكان أية ثقافة أن تواجه التحديث والعصرنة من دون أن تؤسس علاقة مع الثقافة الغربية على الصعيد العلمي والمنهجي، بل ان الإلمام بهذه الثقافة.
وبإحدى لغاتها أصبح شرطا لا غنى عنه بالنسبة لمن يريد أن يدخل إلى مجتمع النخبة من أبناء هذه الشعوب ورغم العمل الدؤوب الذي مارسته القوى الاستعمارية الغربية ضد ثقافات ولغات هذه الشعوب.
والذي وصل في بعض الأحيان إلى منع وتحريم تعلم هذه اللغات، إلا أن ذلك لم يؤد إلى زوال هذه الثقافات لان المنظومة الثقافية بما تمثله من عناصر مركبة ومعقدة لايمكن التحكم فيها على غرار السيطرة والتحكم في الجغرافيا السياسية والاقتصادية .
لعل هذه هي اكبر عقبة تواجهها العولمة بالمفهوم الغربي: أي المقاومة والاستمرارية التي تبديها ثقافة الآخر وهويته لان الانقسام الأيديولوجي قد انتهى وأصبح للمركز أيديولوجيا واحدة وبالتالي لم تعد هذه الأخيرة عنصرا يهدد العولمة.
كذلك الأمر بالنسبة للاقتصاد فالأطراف ليس بإمكانها أن تشكل تحديا اقتصاديا للمركز ولنموذجه المهيمن على العالم، بينما تمثل الثقافة التحدي الوحيد المتبقي في وجه العولمة بمفهومها الذي يريده الغرب ولهذا نرى الكثير من منظري العولمة الغربيين يتحدثون عن الحضارة.
أو الثقافة كما لو كانتا أيديولوجيا مستخدمين تعبيرات مثل صدام الحضارات اوالحرب الثقافية الباردة، حيث يركزون على الثقافات التي لا تزال الأطراف تتمترس خلفها في مواجهة المركز، سواء بشكل متعصب ومبالغ فيه أو بنوع من المرونة.
إن هذه النزعة الصدامية في بنية الثقافة الغربية تعبر، كما يبدو عن رؤية الذات الغربية وعلاقتها مع الذوات الأخرى، حيث تتخذ الانا سلوكا هجوميا لقهر موضوعاتها والسيطرة عليها فالسلوك العدواني تجاه العالم الخارجي يهدف إلى السيطرة على الإنسان، ولهذا ظل مفهوم الحضارة واللاحضارة.
أو الحضارة والبربرية والذي ورثته حضارة الغرب عن اليونان والرومان، هو السائد كمفهوم ورؤية أساسية في ثقافة الغرب وان تلون وجرى التعبير عنه بمصطلحات تناسب المراحل التاريخية المختلفة.
إن ما هو متاح في عصر العولمة من إمكانات الاتصال والتأثير غير المسبوق في تاريخ البشرية سيؤثر حتما في الثقافات والهويات ومن هنا تأتي تساؤلات أبناء الثقافات الأخرى حول جدية ما يمكن اعتباره نظاما ثقافيا معولما تساهم في تأسيس بنياته وآلياته.
ونسيجه كل الثقافات الأخرى، لأنه في وقع الحال ليس ثمة ثقافة غير ثقافة الغرب تستطيع أن تدعي أنها ساهمت في نشوء وتطور ظاهرة العولمة.ولهذا فإن مرحلة العولمة الأميركية تبدو فرصة تاريخية بالنسبة لثقافة الغرب لتحقق في مواجهة الثقافات الأخرى.
ما لم تتمكن من انجازه طوال قرون خمسة من الهيمنة والسيطرة بقوة السلاح، فالمرحلة الأميركية هي المناط بها نقل ثقافة الغرب من ثقافة متبوعة إلى ثقافة معولمة.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي