ماذا تعني الديمقراطية في دولة غربية متقدمة يتخذ فيها رئيس الحكومة من نهج الكذب المنظم سياسة ثابتة؟في مطلع هذا الأسبوع أدلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ببيان في البرلمان تحدث فيه عن وقوع "عملية لمكافحة الإرهاب" قال إنها أدت الى اعتقال عدة أشخاص، وبعد ان أكد رئيس الوزراء على "الاعتقالات" قال إن العملية أسفرت عن حصول السلطات على "كم هائل من المعطيات المعلوماتية التي سندرسها".

لكن سرعان ما ثبت ان "العملية" لم تقع إلا في مخيلة رئيس الحكومة، فقد أصدرت الشرطة البريطانية نفياً قاطعاً لادعاء بلير.. وقال متحدث باسمها: "لا علم لنا بما يتحدث عنه بلير". ولمعالجة حالة الحرج التي وقع فيها رئيس الوزراء قالت رئاسة الحكومة انه حدث "التباس".

ولا ندري كيف يكون رد فعل البرلمان بعد افتضاح كذبة رئيس الحكومة في دولة متقدمة تعتبر مهد النظام الديمقراطي المعاصر. لكننا نعرف أن بلير جعل من الكذب منهجاً رسمياً للحكم تماماً مثلما يفعل الرئيس الأميركي.

كانت الكذبة الأعظم قصة أسلحة الدمار الشامل في عراق صدام التي عرضت على الشعبين البريطاني والأميركي وعلى العالم أجمع من أجل تبرير قرار أميركي بغزو العراق سرعان ما تبنته الحكومة البريطانية أيضاً.

ونذكر عندما بلغت هستيريا الحرب قبيل الشروع في الغزو كيف كان جورج بوش »يؤكد« من على المنابر ان إدارته تملك من الأدلة الملموسة ما يثبت ان لدى العراق ترسانة من »الأسلحة« النووية والكيماوية والجرثومية مما يتهدد جيران العراق.. بل ويتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة نفسها.

ونذكر كيف تجاوبت لندن فورياً مع واشنطن عندما أعلن على نواب البرلمان ان أسلحة العراق ذات التدمير الشامل قابلة للتشغيل خلال 45 دقيقة فقط.

وشنت الحرب الشاملة على العراق لتفرز احتلالاً على كامل التراب العراقي.. لكن لم يعثر على أي شيء يمكن ان يصنف كسلاح دمار شامل. فأين ذهبت "الأدلة المؤكدة"؟

منذ ذلك الحين ظل كل من بوش وبلير ينتقل من كذبة إلى أخرى.. كلما افتضح أمر كذبة ابتدعت كذبة جديدة حتى بات نسج الأكاذيب سياسة رسمية معتمدة لدى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.

ويبقى تساؤل: أي نوع من الديمقراطية تمارس في هاتين الدولتين الغربيتين المتقدمتين؟

إن المرتكز الأساسي للنظام الديمقراطي في أي مكان أو أي زمان هو المحاسبة. واذا كان رئيس جمهورية أو رئيس حكومة يمارس الخداع المنهجي على جماهير شعبه دون أن ينال أي عقاب أو حتى مجرد استجواب فأين قيم الشفافية الديمقراطية؟

وما الفرق إذن بين ديمقراطية الغرب وديمقراطية العالم الثالث ليس فيما يتصل بغياب مبدأ المحاسبة فقط وإنما أيضاً غياب مبدأ سيادة القانون وإلا لماذا لا يعقد تحقيق بريطاني في قصة عن »عملية إرهابية لم تقع أصلاً؟