"إن معركتنا مع الغرب والعالم معركة إعلام .. إعلام .. إعلام خارجي. لا الدبابات، ولا الطائرات، ولا أي أنواع الأسلحة تفيد. بل إننا لن نستخدم هذه الأسلحة مطلقا. ما يفيد هو الإعلام الموجه للعالم الخارجي. وكنت دائما أقول إنه بثمن طائرة واحدة تستطيع أن تغير وجهة نظر العالم فيك".
كأن رموز الإرهاب في عالمنا أرادت أن تخيِّب ظن المخرج العالمي العربي مصطفى العقاد – رحمه الله – فاستخدمت الأسلحة هذه المرة! لكنها لم تستخدمها ضد الأعداء الذين عاش العقاد يحاربهم بالكلمة والصورة والفكرة، وإنما استخدمتها ضد أناس أبرياء من بني جلدتها بعيدين عن ساحات المعارك.
وكان العقاد واحدا من أولئك الذين قضوا بأحزمة خوارج العصر الحديث المتفجرة، تلك التي ضلت طريقها فحصدت أرواحا بريئة، وأسالت دماء لها حرمتها.
ما كان لها أن تُهدر في الزمان والمكان الخطأ لولا عمى بصيرة أولئك الذين عميت أبصارهم عن رؤية ساحات المعارك الحقيقية فأشعلوها حروبا في غير ميادينها، وعلى غير أعداء الأمة الحقيقيين.
ما بين عام 1995عندما حلّ علينا ضيفا في تلفزيون أبوظبي في رحلة بحثه عن تمويل لمشروعه الحلم "صلاح الدين"، وعام 2002 عندما قدمته في ندوة الثقافة والعلوم بدبي محاضرا عن "السينما العربية والعالمية"، سبع سنوات عجاف طاف العقاد خلالها عواصم العالم العربي باحثا عمن يقتنع بأهمية إنتاج فيلمه الذي لن يكلف أكثر من ثمن طائرة أو دبابتين - تمر عليها الأيام والأعوام دون استخدام - فلا يجد من يستجيب له.
وهاهو المشروع الحلم يدفن مع صاحبه في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى سلاح الكلمة والصورة بعد أن صادرت أصواتنا وشوهت صورتنا أفعالُ هؤلاء الخارجين عن ملتنا أكثر مما عملت فيها أيدي الأعداء الذين نتهمهم دائما بالسيطرة على وسائل الإعلام.
ومراكز الإنتاج في عواصم العالم المختلفة التي اخترق أهمَّها مخرجُنا العربي العالمي معترفا بأنه قد حمل معه مركب النقص عندما قرر المغامرة بدراسة السينما في عاصمتها "هوليوود"، إلا انه أدرك ومنذ الحصة الدراسية الأولى له هناك أنه لا فرق بينه وبين أي طالب غربي آخر.
وأنه يمتلك كل المقومات التي تخوله أن يتفوق عليهم، فكان له ما أراد بعد أن آمن بأن مخاطبة الآخر يجب أن تتم بلغته وثقافته ووجهة نظره، وصولا إلى المرحلة التي تمكننا من السيطرة على الرأي ووجهات النظر.
مؤكدا أنه "مادام جمهورك غربيا فعلى الإعلام الخارجي أن يتكلم لغتهم أولا، وأن يستعمل ممثليهم وكتابهم ومفكريهم، ويفكر بعقليتهم. وعلى من يقوم بهذا الدور أن يكون مطلعا على أحوالهم وأفكارهم، ويستطيع مخاطبتهم على نحو صحيح".
ثمانون مليون دولار هي الكلفة الإنتاجية لفيلم »صلاح الدين« الذي كان سيلعب دورا كبيرا في تقديم صورة حقيقية غير مشوهة عنا، لم يجد مخرجنا - الذي دفن حلمه معه - أدنى تجاوب من المؤسسات المختصة ورؤوس الأموال العربية، وواجه حربا وعقبات.
وعد يومها – قبل ثلاث سنوات – أن يضمِّنها مذكراته التي كان عاكفا على كتابتها، مؤكدا أنه سيذكر الأسماء والتواريخ ويكشف التفاصيل التي بعضها مخجل حقا، فهل تراه أنجز ما وعد أم أن طيور الظلام التي زارته على غير موعد لم تسمح له باستكمالها.
لتبقى نهايتها مفتوحة لمن يشاء أن يسطر فيها فصولا جديدة لم يستطع صاحبها أن يكملها بعد أن كتب له الإرهابيون نهايته التي لم يتوقعها، وقضوا على حلمه الذي حمله معه إلى القبر بعد أن طاف به أرجاء المعمورة ما يزيد على عقدين من الزمان فلم يتحقق؟
لم يدفن مع مصطفى العقاد مشروع فيلم »صلاح الدين« وحده، بل دفنت معه مشاريع أخرى؛ منها فيلم »وامعتصماه« الذي جاءت فكرته أثناء حرب البوسنة، وفيلم عن »محمد شامل« القائد الشيشاني الذي حارب القياصرة الروس، وثالث عن »صبيحة الأندلسية« المرأة التي حكمت الأندلس.
وكان في جعبته أيضا مشروع فيلم يلقي الضوء على الثقافة الإسلامية، تقوم قصته على وثيقة تاريخية نشرتها صحيفة »صنداي تايمز« البريطانية عن وفد أرسله ملك إنجلترا "جون الثالث" إلى الخليفة المسلم في قرطبة، يقترح أن تكون بلاده تحت حماية الخليفة وأن تعتنق الإسلام.
وأن تدفع إنجلترا ضريبة إلى الخليفة، لكن جواب الأخير كان: "إن ملكا يبيع شعبه ومملكته لا يستحق حمايتنا". حدث ذلك عام 1213 م، وقد سجلت الوثيقة التي نشرتها "صنداي تايمز" أعضاء الوفد الإنجليزي الذي قدم هذا الطلب.
لعل الذين اغتالوا مصطفى العقاد لا يعلمون أن »مصطفى« قد رفض تغيير اسمه عندما ذهب إلى أميركا رغم أنه سبب له مشكلات عديدة – كما يقول – لدرجة جعلت الكثيرين ينصحونه بتغييره حتى يتمكن من ممارسة عمله بسهولة.
رفض ذلك بشكل قاطع، وأدرك أن أقصى ما قد يسببه له اسمه الدال على عروبته وإسلامه هو أن يبذل مزيدا من الجهد. وهكذا عمل بإصرار، وفرض على الجميع في هوليوود وخارجها احترامه واحترام اسمه.
"وأحب أن أقول هنا – والكلام للعقاد – إن الآخرين لن يحترموك إلا إذا احترمت نفسك أولا. وأنا عن نفسي أشمئز من بعض العرب الذين يأتون أميركا ويغيرون أسماءهم العربية. ويتنكرون للغتهم العربية، فقط لتسهيل أعمالهم، وهذا ما أرجعه إلى عدم امتلاكهم لجذور قوية، وبسبب عدم تخلصهم من عقد النقص؛ لذلك يذوبون في تلك العوالم، ويتجاهلون كل شيء حتى أنفسهم. إنهم باختصار ينسون أنفسهم".
ولعل الذين اغتالوا العقاد لا يعلمون أيضا أنه قد طالب بإنتاج فيلم كل عام بتمويل إسلامي ضخم وبأسماء عالمية يحبها الغرب، نقدم من خلاله أفكارنا الإسلامية الصادقة والمعتدلة.
ولعلهم لا يعلمون أخيرا أنه قد طالب بإطلاق قناة تلفزيونية ناطقة باللغة الإنجليزية، تحمل فكرنا الإسلامي المعتدل قائلا: »إننا نريد أن ننتهج الأسلوب الصهيوني الذي يدس السم في العسل، لكننا سنكون مختلفين عنه فيما نقدمه، لأننا سندس الحب والرحمة اللذان يحملهما إسلامنا في العسل.
الحب والرحمة اللذين تحدث عنهما مصطفى العقاد – رحمه الله – وأراد أن يدسهما في العسل كي يصلا إلى الغرب ليغيّر نظرته للعرب والمسلمين، هاتان القيمتان الإسلاميتان العظيمتان لم يعرفهما الإرهابيون الذين جردوا الإسلام من كل قيمه الجميلة، وحولوه إلى دين يغتال الفرحة في قلوب البشر.
و يحيلهم إلى أشلاء في غمضة عين، غير مفرقين بين رجل وامرأة وطفل. فمتى يدرك هؤلاء أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق فقط، وإنما يقتلون الأحلام الكبيرة التي لا يعرفون قيمتها لأنهم يعيشون في الجحور، ولا يخرجون إلى النور إلا عندما يقررون تفجير أنفسهم لينشروا الموت.
وينسفوا كل المبادئ والقيم التي جاء بها ديننا السمح. متى يدركون ذلك لتعود للإسلام صورته الجميلة الزاهية، ولا نعود نخسر كل يوم أرواحا جديدة، ومبدعين ليس من السهل تعويضهم؟
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إماراتي