في ديسمبر 2002 كتبت في استراحة البيان مقالاً عن تركيا تحت عنوان »أين نحن من أردوغان«، أما اليوم فأكتب عن تركيا الدولة الإسلامية التي تمر بأهم مراحل تاريخها منذ حكم السلاطين فيها وتمردها على انتمائها الإسلامي الشرقي وتحويلها إلى دولة علمانية ذات ميول غربية.

وفي ظل كل هذا ضاعت هويتها، ولم يتحقق طموح حكامها في الحصول على الهوية الجديدة، حيث حاولت الحكومات المتعاقبة على الحكم منذ انقلاب أتاتورك، وبمساعدة الجيش طمس ثقافتها الشرقية، وبدأتها بتغيير الحروف الأبجدية من عربية إلى لاتينية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل لم يستطع الشعب ممارسة حتى أبسط حقوقه الديمقراطية باختيار ممثليه، حيث ان الجيش المؤمن بالعقيدة الأتاتوركية كان يسيطر على كل شيء، ولم يسمح بذلك، لذا حصلت انقلابات تلو الأخرى.

وآخرها كان ضد حكومة نجم الدين أربكان زعيم حزب "الرفاة" الذي فاز برئاسة الحكومة، ثم منع من دخول أي انتخابات بضغوط من الجيش المصر على تحقيق مبادئه الاتاتوركية والتي تتمثل في جعل تركيا دولة أوروبية.

ورغم إصرارهم هذا ما زالت أوروبا تنظر إليهم نظرة شك وريبة، إضافة الى ان الحكومات السابقة مارست الدكتاتورية بشكل أو بآخر وهذا يخالف أفكار ومبادئ الحرية التي تنادي بها أوروبا بمختلف توجهاتها.

وعلى أثر استبعاد حزب »الرفاه« قامت مجموعة من الشباب المنبثقين عنه بتشكيل حزب جديد تحت اسم »العدالة والتنمية« وفاز في آخر انتخابات ديمقراطية برئاسة رجب طيب اردوغان بأغلبية مطلقة. وتحاول هذه الحكومة ذات التوجه الإسلامي جاهدة للإنضمام الى الاتحاد الاوروبي بعد أن جاءت الى الحكم باختيار شعبي ديمقراطي.

وكان من ضمن اولوياتها العمل من أجل الدخول في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي دون المساس بتوجهها وثقافتها الإسلامية، الا ان بعض الدول داخلة ما زالت تعارض انضمام تركيا، مع أنها أكبر من اليونان وأقرب من قبرص إلى أوروبا. ورغم وجود هذه العقبات فهي مصرة على تجاوزها، إذ أن تحفظات بعض الدول الأوروبية قد لا تكون لسبب إلا لأن تركيا دولة إسلامية.

وبهذا الإصرار والإرادة التركية في المضي قدماً في محاولاتها رغم المعايير المبالغ فيها والتي طلبت منها، سوف يرضخ الاتحاد الأوروبي ويقبل بانضمامها ولو بعد حين، نظراً لأهميتها وثقلها السياسي والاقتصادي والأمني بالنسبة لأوروبا.

قبل أسابيع قام رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان بزيارة رسمية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعتبر هذه الزيارة الثانية له حيث يسعى منذ توليه الحكم للتقرب إلى الدول العربية لتبادل وجهات النظر، وطرح مواقف بلاده، وهو يرى أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون من شأنه تحقيق مكانة نوعية للدول الإسلامية.

وقد ثمن قادة دولة الإمارات هذه الزيارة، وبادر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع برد الزيارة إلى اسطنبول بوابة الشرق إلى أوروبا، لتكون تأكيداً على علاقات أخوية بين البلدين، وعلى سعي دولة الإمارات الدائم لتوسيع علاقاتها الدولية، خاصة مع الدول الإسلامية.

وتركيا هي اكبر بوابة إسلامية بين الشرق والغرب ويحكمها حاليا حزب واضح الرؤى ذو توجه إسلامي هدفه تحقيق انتمائه إلى أوروبا مع المحافظة على هويته الإسلامية الشرقية ليلعب دوراً أكبر على الساحة الدولية يخدم من خلاله مصالح تركيا والدول الإسلامية.

والأتراك يتوقعون من زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم التي التقى خلالها برئيس وزراء تركيا وكبار المسؤولين بداية تعاون اقتصادي يخدم مصالح الشعبين، وتعاون خليجي تركي يكون نقطة انطلاق للتكامل والتحالف العربي التركي في عصر لا يعترف إلا بالتكتلات الكبرى، التي قد تعيد لنا قوة وعزة المسلمين.

Sultan654@hotmail.com