على الرغم من كآبة المشهد العام في المنطقة، سجلت الأيام الأخيرة حالة من الحراك السياسي المختلف، نسبياً، عن النمط السائد في بعض الساحات واستحقاقاتها.

أهميته، على تواضعه وضبابيته، تكمن في مجرد حصوله، من جهة، وفي كونه ينطوي على احتمالات، أو بالأحرى على بدايات، قابلة للتطور إذا توافرت لها الشروط الملائمة من جهة أخرى. وهو، بهذا المعنى قد يكون حراكاً مخاضياً.

أو هكذا يوحي. لأنه على الأقل يطرح بدائل مطلوبة وغير مألوفة. إلا إذا كان من صنف الحراك الظرفي الذي اقتضته حسابات واعتبارات آنية، ينتهي مفعولها بانتهاء تمرير استحقاقاتها أو تنفيس ضغوطها.

يشمل هذا المناخ المسرح العراقي ومنتدى المنامة. الأول شهد تحركات وتوجهات نوعية، قد تكون واعدة. أو على الأقل قد تكون قادرة على إيجاد فسحة للتدبر، بغير ما اعتادت عليه هذه الساحة المنكوبة.

مؤتمر القاهرة تحدد موعده يوم 19 نوفمبر الجاري، وتمت دعوة الأطراف العراقية كافة للحضور، وعلى ما يبدو ليست هناك، حتى الآن، معارضة تهدد بنسفه، وبالتالي كل الدلائل تشير إلى ترجيح انعقاده.

وإذا حصل ذلك فلن يكون أقل من نقلة جديدة، بقطع النظر عن النتائج والمقررات التي قد ينتهي إليها.لأول مرة يكون قد تم الانتقال من الخنادق السياسية والعسكرية المتقابلة إلى الجلوس حول طاولة واحدة.

ويبدو أن زيارة الوزيرة كوندوليزا رايس المفاجئة كان لها دور في الدفع باتجاه عقد هذا المؤتمر. وربما الأهم في هذا الخصوص، كانت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الخاطفة إلى بغداد.

فهو لأول مرة يزور العاصمة العراقية، بعد الاحتلال. وكان واضحاً من كلامه أنه جاء في مهمة لتزخيم التوجه الراهن، من خلال تشديده على »ضرورة الوفاق الوطني« الذي قال إن »الجميع متفق عليه«.

كما لأول مرة تبرز إشارات إلى »دور مساعد« للأمم المتحدة التي بقيت مستبعدة من الأساس، من أي دور غير هامشي.أما في المنامة، التي اختتم »منتدى المستقبل« أعماله فيها، أول من أمس، فقد حصل أيضاً شيء من الحراك، ولو أن المؤتمر فشل في إصدار بيان ختامي بسبب الخلافات حول موضوع »الإصلاح« ومتفرعاته. على الأقل أعيد طرح هذا الموضوع الحيوي، وجرى اللقاء للتداول فيه.

ففي زمن باتت المؤتمرات، حتى لا نقول القمم، أمراً متعذر الحصول، يصبح التلاقي بذاته خطوة إلى الأمام، وخاصة عندما يكون مطلب الإصلاح الحساس محور جدول الأعمال. وبكل حال هو باقٍ على الطاولة، ولا يبدو أنه في وارد مغادرتها، ليس لأن الخارج يريده ويوصي بفرضه، بل لأنه حاجة داخلية ماسة وضاغطة.

في ظل الظروف والمعطيات الراهنة يبدو كل هذا الحراك مشجعاً. والأمل أن لا يكون، في شقه العراقي، محدوداً بتمرير انتخابات ديسمبر بأوسع مشاركة وفقط. كما أن لا يكون، في شقه الإصلاحي، قد تعثر تحت ذريعة أنه لابد وأن يأتي الإصلاح »من الداخل«، فقط للتهرب منه. والتحدي هنا هو تزخيم هذه الإرهاصات وتطويرها.