التوطين، في الدولة، مشكلة مزمنة، طرحت لها حلول كثيرة، لكنها كلها بقيت عاجزة عن بلوغ الغاية المنشودة. بل إن نسبة المواطنين، في شتى ميادين القطاع الخاص لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.

نشأت عن هذا الوضع مفارقة صارخة: طفرة اقتصادية يتحدث عنها العالم ونسبة بطالة إماراتية ــ في القطاع الخاص ــ لا مثيل لها. أمران لا يلتقيان، ولا يتعايشان. وفي الآونة الأخيرة بدأت هذه المعادلة تتحول إلى عبث متعدد الأبعاد:

اقتصادي واجتماعي وحتى ثقافي. وكان لابد من مقاربة متكاملة تتصدى لهذه المشكلة المتفاقمة، في إطار استراتيجية تنموية شاملة، وأصبح ذلك حاجة ملحة وضرورة ضاغطة، ما عادت تقبل التأجيل.

»برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية« الذي أطلقه أمس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، أتى ليضع الأسس والآليات والقنوات التي تكفل معالجة موضوع التوطين بما يحقق تطوير الموارد البشرية الوطنية والقضاء على البطالة من جهة.

واشراك القطاع الخاص في التنمية الاجتماعية من جهة ثانية. وبذلك يتوفر التوازن على أكمل وجه، وبما يتناسب ويتناغم مع عملية التنمية الشاملة الجارية، فمن دون تهيئة وإعداد الطاقات البشرية ودفعها لتأخذ مواقعها في مسيرة البناء، لا يستقيم البنيان النهضوي الذي يجري قطاره بسرعة قياسية.

هنا كان تشديد سموه على »أن هذه المبادرة ليست فقط مؤسسة وطنية للتوظيف أو معهداً جامعياً للتعليم الإداري«، بل هي عملية »تمتد من التدريب إلى تأمين التواصل مع سوق العمل ونشر الدراسات ونتائج الأبحاث عن المؤهلات الوظيفية الوطنية«.

وبهذا التصور تكون المبادرة قد أرست الأسس لإنتاج المؤهلات الوظيفية، بما هي كفاءة واقتدار، التي يتطلبها سوق العمل ويبحث عنها. وفي ظل هكذا عرض وطلب تتأمن مصالح الجهتين:

فلا يكون الموظف المواطن عبئاً ولا القطاع الخاص مؤسسة خيرية، الأول يتحول الى منتج والثاني الى مستثمر للكفاءات وبقدر ما المنفعة مشتركة، بقدر ما هي المسؤولية مشتركة.

فإذا كان المطلوب من طالب العمل التزود بالشروط اللازمة لدخول سوق العمل الخاص، فإن هذا الأخير مطالب باحتضان الكفاءات المحلية عندما توفرها هذه المبادرة التي تقوم على سياسات واضحة وجدول زمني محدد لتأهيل الكوادر القادرة على تلبية حاجات العمل. وبذلك تكون قد دقت ساعة حلّ مشكلة التوطين.