مع إصرار قاضي التحقيق الألماني ميليس على مباشرة استجواب ستة من الضباط السوريين في بيروت دون غيرها من العواصم نفهم بأثر رجعي مغزى الضغوط الأميركية والفرنسية لتصفية الوجود العسكري والاستخباراتي السوري..

فالساحة السياسية الأمنية في بيروت باتت الآن ملكاً خالصاً لعناصر الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الموساد الاسرائيلي.في مثل هذه البيئة الأمنية البيروتية من المستحيل افتراض الشفافية والنزاهة في أية عملية استجوابية لضباط سوريين أو غيرهم.

في حمأة مسار التحقيق بشأن اغتيال الزعيم السياسي اللبناني رفيق الحريري قبل نحو تسعة أشهر وصل الى بيروت فريق من "مكتب التحقيقات الفيدرالي" الأميركي بناء على طلب من رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة، للمشاركة في عملية التحقيق.

ورغم ان السنيورة حرص على القول بأنها ستكون مشاركة »فنية فقط« إلا أن مثل هذا التبرير لا يقنع أحداً يعيش الآن في عصر »الحرب الأميركية على الإرهاب" الذي لا تحترم فيه الولايات المتحدة السيادة الوطنية لأي دولة في العالم الثالث ـ خاصة الدول العربية والإسلامية.

هذه هي الحقيقة التي فطن إليها الرئيس السوري بشار الأسد وهو يعلن رفض دمشق طلب ميليس لأن يجري استجواب الضباط السوريين الستة في بيروت،.

فهو يعلم كما يعلم أي مراقب منصف أن مسار العملية الاستجوابية اذا جرت في بيروت سيكون تحت السيطرة الكاملة لضباط "مكتب التحقيقات" الأميركي من وراء ستار وفق سيناريو معد سلفاً رغم ظهور ميليس في الواجهة، فالتحقيق في مقتل الحريري خرج من الدائرة القانونية الى دائرة التسييس.

ولنتساءل: لماذا رفض ميليس الاقتراح السوري بأن تجرى عملية استجواب الضباط السوريين في القاهرة باعتبارها مقر الجامعة العربية؟

ولماذا رفض أيضاً دعوة سورية لزيارة دمشق من أجل وضع مذكرة تفاهم مشتركة لتحديد آليات التعاون بين فريق ميليس وممثلي الأجهزة الأمنية والقضائية السورية؟

بكلمات أخرى: لماذا الإصرار على بيروت تحديداً؟

والإجابة هي ان بيروت عام 2005 ارتدت الى حالة بيروت خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي عندما كان مدير المحطة الفرعية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الحاكم الحقيقي للبنان بمعاونة المدير الفرعي للموساد الإسرائيلي.

ان العالم العربي عموماً يعيش حالياً ـ كما قال الرئيس السوري ـ حالة استعمار أميركي فقدت الدول العربية بموجبه كل أسباب السيادة الوطنية على شؤونها.

وفي الصورة العامة تبرز بيروت مجدداً كقاعدة مركزية لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يستهدف التمكين لاسرائيل لتندمج في نسيج العالم العربي والإسلامي كقوة إقليمية مهيمنة.

ولكن يبدو ان الولايات المتحدة لا تريد ان تستوعب تجاربها السالبة، فبيروت الخمسينات والستينات أفرزت في السبعينات وما بعدها حرباً أهلية طويلة أسفرت عند نهاية المطاف عن هزيمة ساحقة للقوى المحلية المتحالفة مع واشنطن بعد ان خرج إلى حيز الوجود شيء اسمه "حزب الله".