يلحظ المتتبع للخطاب الذي تردده الجماعات المتشددة التي تتخذ من العنف طريقا ومنهجا، في التعبير عن نفسها وأهدافها ، ان هناك محاولة حقيقية لتفريغ المصطلحات والانجازات التى حدثت في صدر الإسلام من مضمونها الحقيقي، لتستخدم كغطاء لأفعال لا يمكن ان تمت بصلة او ترتبط بعلاقة مع الماضى .
ابرز مثل يتداول هذه الفترة هو كلمة غزوة، التي انتزعت من مضمونها النبيل في عهد الرسول الكريم ومن بعده الخلفاء الراشدون، لتستخدم في غير محلها ، وبدلا ان تكون هذه الكلمة مرادفا لنشر الإسلام .
وإعلاء كلمته ورد العدوان ونصرة المستضعفين، أصبحت تستخدم من قبل تلك الجماعات لتوصيف الارهاب والعنف و الهجوم على الفنادق وقتل النفس التى حرم الله قتلها الا بالحق، ونشر الفوضى وضرب مفاصل الاقتصاد.
هذا ما حدث بالفعل الاسبوع الماضى، عندما شن انتحاريون هجمات على ثلاثة فنادق في العاصمة الاردنية عمان، راح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، والذي كان ذنب اغلبهم الوحيد، هو حضور حفلة عرس بريئة في احد الفنادق.
هذه الجريمة الدنيئة لا يمكن ان يطلق عليها أبدا كلمة غزوة، بل يجب ان توضع في إطارها الصحيح، وهى انها عمل إرهابي جبان لا هدف من ورائه سوى خدمة أعداء هذا الدين الذين يحاولون تصويره على انه دين عنيف غير متسامح وضد الاعتدال والحوار مع الآخر.
هنا يحتاج الأمر الى وقفة، والوقفة بالتأكيد ليست من جانب أجهزة الأمن ، التى لن تصلح أدواتها في معالجة تلك القضية ، ولكن الوقفة تكون من جانب علماء الدين، الذين عليهم دور كبير في تفنيد المقولات والخطاب الذي تردده تلك الجماعات.
لاسيما وان الكثير من القواعد والأفكار التي يستند عليها ، خاطئة ومشوهة وتستخدم كوسيلة لتحقيق أهداف أخرى غير التي يروج لها.
ومن هذه الأفكار "نظرية التترس" التي تستند اليها بعض الجماعات التكفيرية، وهى تعنى كما تقول بعض كتب الفقه انه »اذا تترس الكفار بمسلمين في الحرب وتطلب دفعهم قتل المسلمين، فلا حرج في الأمر وقد يكون ذلك واجباً أحيانا".
لكن الشيخ علي حسن الحمدي احد رموز التيار السلفي في الاردن فند ذلك وقال "انهم يقتلون المتترس بهم من المسلمين وهذا من اشد الجهل والضلال وتفسير خاطئ لآراء العلماء .. فالمعاهد له الأمن والأمان في ارض الإسلام وليس القتل".
هذه المواجهة على أرضية مقارعة الحجة بالحجة، هي التي ينبغي ان تتم من اجل إثبات خطأ هذا الفكر التكفيري، الذي يشعل العنف والإرهاب ويريق الدماء ويثير الفتنة ويعرض استقرار الدول إلى الخطر.
ليس هذا فقط، بل ان مواجهة هذا الفكر والقضاء عليه، أمر مهم لمنع تشويه، الوجه الحقيقي لجماعات المقاومة الإسلامية التي تحارب من اجل إعادة حقوق شعبها المغتصبة من قبل المحتل، والتي تسعى بعض الدوائر الغربية الى وضعها في كفة واحدة مع تلك الجماعات التي تتجه بوصلة إجرامها نحو الأبرياء.
إننا نحتاج فعلا إلى مواجهة هذا الفكر، حتى لا تخرج اجيال جديدة، حاقدة على مجتمعها وكارهة لوجودها في الحياة ومستعدة لإراقة الدماء ساعة يطلب منها ، ومن دون ان تناقش او تفكر او حتى تسأل نفسها لماذا تقدم على هذا العمل الإجرامي الذي لامبرر له على الاطلاق.
انها مواجهة ضرورية ومصيرية حتى تصبح هذه الأمة خالية من الأمراض الفكرية التي تعيدها قرونا الى الوراء وتجعلها غائبة عن واقعها وحاضرها وغير مستعدة للتعامل مع مستقبلها.