الفكر القومي المأزوم، والذي اضطر في العقدين الأخيرين ــ للتحالف المرحلي مع الفكر الديني المسيس، بعد صراع دموي طويل بينهما امتد منذ الخمسينات ــ بسبب هزيمة الأول وأفوله وصعود نجم الثاني وانتشاره، دأب هو وحليفه اللدود إلى اتهام اسرائيل أو »الموساد« عند وقوع أي حادث إرهابي في الساحة العربية أو الإسلامية، بل حتى الدولية.

ولعلنا مازلنا نذكر تصريحات وخطب أئمة ورموز ومنظري هذين الفكرين عبر الفضائيات والمنابر الدينية والإعلامية، حين وجهوا أصابع الاتهام إلى »الموساد« بأنها وراء تفجير برجي أميركا الشامخين قبل »4 سنوات«.

ولعلنا لم ننس بعد، الخطبة العصماء لأحد الأئمة من على منبر الجمعة، حين برأ بن لادن وصحبه، القابعين في كهوف أفغانستان ــ لا حول لهم ولا طول ـ ثم أكد تأكيداً مغلظاً بأن أميركا تعلم ذلك »علم اليقين« ولكنها الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين.

ولا ننسى أيضاً ـ تصريحات مرشد الأخوان في مصر، والمتكررة في اتهام »الموساد« بأنهم وراء تفجيرات »طابا« و»شرم الشيخ« و»العقبة« و»القاهرة« و»العراق«.

والمشايخ ـ عادة ـ يستسهلون الاتهام اذا كان موجهاً لـ "اسرائيل" أو "أميركا" فهما عدوان لا يريدان الخير ـ مطلقاً ـ للمسلمين. ولذلك تطوّع رئيس إحدى الجمعيات الكويتية ومن غير سند أو برهان باتهام (الموساد) بأنها وراء تفجيرات مترو أنفاق لندن.

ولماذا نذهب بعيداً، فمشايخنا ليسوا وحدهم في هذا الميدان، بل إن عتاة القوميين وصناديدهم ذلك ديدنهم، ولا أدل من أن الداعية الأعظم للناصرية كتب بأن اليوغسلاف الصرب هم من ضربوا أميركا) انتقاماً من ضربها لهم.

وكثير من أصحاب الفكر القومي ولا حاجة لذكر أسمائهم على قناعة راسخة بهذا الطرح الاتهامي التهويمي من غير سند أو برهان. ولا يزال الفكر القومي وكذلك الديني على موقف واحد في اتهام (إسرائيل) بأنها وراء عمليات الاغتيالات للشخصيات والقادة العرب.

بدءاً بالزعيم عبدالناصر، ومروراً بالشخصيات اللبنانية الكبيرة، والرئيس عرفات، وانتهاءً بالرئيس الشهيد الحريري. وفي حين يؤكد تقرير (ميليس) تورط شخصيات لبنانية وسورية (سياسية وأمنية على أعلى المستويات).

ويذكر العديد من الأدلة والبراهين والبينات يرفض (قلب العروبة النابض) ذلك ويصر على اتهام (إسرائيل) من غير أي دليل معقول غير الدليل المضحك الذي أوردته وزيرة سورية من أن إسرائيل قتلت الحريري لأنه كان صديقاً وسنداً لسوريا!

مطلوب منا أن نلغي عقولنا لنصدق هذا الهراء، إذن لماذا لم تقتل إسرائيل من هم أكثر صداقة وسنداً وتحالفاً مع سوريا؟ كيف نصدق هذه المزاعم وميليس يقول عبر شهوده.

ـ وهم الشعب اللبناني بأسره ـ بأن من قتلوا الحريري اتهموه بأنه صديق لأميركا وإسرائيل ويريد ضرب مصالح سوريا في لبنان وأنه وراء القرار الدولي القاضي بانسحاب سوريا؟!

الحقائق الدامغة والتي يعرفها العالم تقول إن سوريا لم تكن راضية عن الحريري (وخطاب الرئيس الأسد يؤكد ذلك).

لقد كان من آثار وتداعيات تسيد الفكرين القومي والديني المسيس على الإعلام والمنابر الدينية والتربوية، أن أصبح الشارع العربي مضللاً، محجوباً عن حقيقة الأحداث الجارية، ولذلك لا يزال 80% من الشارع العربي يعتقدون براءة (بن لادن) من اعتداءات أميركا، وإنها من عمل "الموساد" ـ استطلاع الفضائية العربية.

ولا يزال قطاع عريض من الشارع العربي، يعتقد أن "الزرقاوي" شخصية وهمية اخترعتها (أميركا) و"الموساد" لتغطية أعمالهما الإجرامية ضد الشعب العراقي لإشعال الحرب الطائفية وتبريراً لاستمرار احتلالها.

وأذكر أن الكاتب السعودي مشاري الذايدي اضطر لكتابة مقالة في صحيفة الشرق الأوسط ليثبت أن الزرقاوي شخصية حقيقية عاشت في الأردن وهناك زملاء له رافقوه في سجنه وتحدثوا عن أفكاره وسلوكياته العنيفة.

ولا عجب في ميل الشارع العربي لاتهام إسرائيل، ولكن العجيب ـ حقاً ـ هو إصرار الرموز والشخصيات الدينية والقومية على (موقفها) الإتهامي لإسرائيل برغم وضوح الدلائل والبنيات وظهور نتائج التحقيقات وصراحة الاعترافات من قبل الفاعلين.

فهل حقاً هؤلاء يؤمنون بما قالوه؟ أم المكابرة في الاعتراف بالخطأ؟ أم هو الاستخفاف بالناس الذين ضللوهم؟ في تصوري أن هؤلاء يعرفون من وراء العمليات الإرهابية، حق المعرفة، ولكن هؤلاء أخذتهم العزة بالخطأ واستكبروا على قول الحقيقة ولكنهم يضطرون لقول الحق حين يمسهم طائف من العذاب الأليم.

وأخيراً عاد المغاربة إلى وعيهم فاكتشفوا تضليل بعض إعلامهم ومثقفيهم الذين أشادوا ببطولات المقاومة العراقية وذلك حين خطفت تلك المقاومة المزعومة اثنين من مواطنيهم، فأدركوا حينئذ الحقيقة.

ـ كما يقول عبدالرحمن الراشد ـ إذ عرفوا أن تلك المقاومة ما هي إلا عصابات تبحث عن فرائس سهلة، وهذه هي البطولات التي تباع للناس بهتاناً في الإعلام المغربي وبقية الإعلام العربي ـ الشرق الأوسط 5/11.

خرج الشعب المغربي وعلماؤهم لاعنين الزرقاوي ومحاكمه وقد تحدوا القاعدة قائلين (ستبقى سفارتنا في بغداد ولا نأخذ دروساً من القاعدة) لقد قرر هؤلاء مواجهة الإرهاب لا استرضائه والخضوع لابتزازه.

وهذا هو الموقف الصحيح، قارن موقف المغرب بما حصل في مصر بعد اغتيال سفيرها في بغداد، إذ هاجم طائفة من المصريين الحكومة لأنها أرسلت سفيراً فأغضبت الارهابيين، مما اضطر وزير الخارجية للقول انه لن يرسل سفيراً إلى بغداد في هذه الظروف، إذن لماذا يواجه سفراء الدول الأجنبية إرهاب الزرقاوي ويتخاذل العرب؟!

وبعد المغاربة، يستفيق الشارع الأردني على وقع سلسلة التفجيرات الإرهابية التي هزّت العاصمة وأودت بحياة 67 من الأبرياء غير المئات من المصابين، ولطالما تعاطف الشارع الأردني مع (بن لادن) وطروحاته.

وكانت له الشعبية الكبرى، 60% حسب آخر استطلاع، ولطالما تغنى ومجّد إسلاميو الأردن أعمال الزرقاوي التي تحصد أرواح العشرات يومياً وسموها (مقاومة)، وها هو الزرقاوي يرسل قتلته إليهم ليذيقهم بعض عذاب العراقيين.

وقد ظل بعض المحامين الأردنيين أوفياء لصدام يهتفون بحياته، فهو لا يزال الرئيس القائد، وقد نذروا أنفسهم للدفاع عنه، فما أغنى عنهم كل ذلك. لأن الإرهابيين ومن تحالف معهم من بقايا صدام جبلوا على العدوان.

ولكن الإردنيين أصبحوا الآن أكثر وعياً بالمخاطر وأكثر إدراكاً لعدوهم الذي هو من بني جلدتهم، ولكنه أضله الشيطان وزيّن له سوء عمله. ونحن إذ نتألم لمصابهم ونشاطرهم الأحزان فلا نملك إلا الدعاء للمصابين بالشفاء ولا أراهم مكروهاً.

ختاماً ليس مقصود المقال تبرئة إسرائيل من أي اتهام، ونحن لسنا في غفلة عن مؤامراتها، ولكن علينا أن نتحمل مسؤولياتنا، فلا نسارع إلى اتهام الآخرين من غير دليل، لأن معظم ما يحصل عندنا مما يوجعنا.

ويؤلمنا هو من صنع أيدينا ومن شقاق ذات بيننا، فعلينا أن نعترف بأخطائنا لنتمكن من معالجتها والوقاية منها، وهكذا تفعل كل الشعوب الواعية.

٭ كاتب قطري