تقدم 105 من أعضاء الكونجرس الأميركي في الثامن والعشرين من أكتوبر الماضي بخطاب مطول الى وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، يعاتبون فيه الحكومة الأميركية على سياستها "المتساهلة" مع حكومة السودان رغم حوادث العنف المتزايدة في دارفور وتعويق ايصال المساعدات الانسانية والتباطؤ في انفاذ اتفاقية السلام الشامل.

يقف على رأس المحرضين والموقعين على الخطاب أربعة من قيادات »سودان كوكس« وهي المجموعة التي تبادر باقتراح معظم السياسات المعادية للسودان في الكونجرس ولدى الإدارة الأميركية، وهم:

مايكل كابوانو ودونالد باين وفرانك وولف وتوماس تانكريدو. ولم يكن اختيار التاريخ عفواً فقد سبق بأيام قليلة موعد تجديد العقوبات الاقتصادية على السودان وابقاء اسم السودان في قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ونجح الخطاب في تحقيق هدفه الأساسي وهو تجديد العقوبات الاقتصادية على السودان والإبقاء على اسمه في قائمة دول الإرهاب.

وقد كُتب الخطاب بمهنية عالية وبحيثيات قوية مما يدل على متابعة لصيقة للشأن السوداني، ولكنه في ذات الوقت غير عادل لأنه اتسم بانتقائية واضحة وبتجاهل لأخطاء الأطراف الأخرى في عملية السلام مركزاً نقده فقط على حكومة السودان، بل ينسب إليها أحياناً أخطاء الآخرين، وينسى تماماً ما فعلته الحكومة في دفع عملية السلام.

ونستعرض في هذا الحيز بعض ما جاء في خطاب اللوبي المعادي للسودان حتى نلمس عن قرب كيفية تسويق السياسات المعادية لنا. وأسأل هل هناك في موقع ما في أجهزة الحكومة السودانية من يرد على مثل هذا الخطاب بدقة ومهنية؟

وهل تتوفر لمن يتولى الرد كافة المعلومات المطلوبة التي أحسب أنها متفرقة في جهات عديدة تمتد من الخرطوم الى دارفور الى واشنطن؟ وهل يستطيع الموقع الذى يتولى الرد ايصال ذلك الرد الى كل الجهات التي وصلها الخطاب المعادي للسودان؟

لقد وقع نصّ الخطاب الموقع من أعضاء الكونجرس في يدي عن طريق أحد المسؤولين في منظمات الأمم المتحدة في جنيف! فالخطاب اذن لم يرسل فقط الى كوندوليزا رايس وانما أرسل الى جهات عديدة من أجل »التبشيع« بحكومة السودان.

وأتوقع أن يكون الخطاب قد ذهب الى حكومات أخرى ومنظمات دولية ودوائر سياسية داخل وخارج الولايات المتحدة، والى أجهزة استخبارية وإعلامية على نطاق العالم، وربما عمم من خلال شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).

وأنا أشك في وجود موقع ما في حكومة السودان يتولى الرد على الخطاب بالمهنية المطلوبة، وتتوفر له المعلومات الكافية، ويستطيع أن يصل الى كل الجهات المحتمل أن يصلها ذلك الخطاب المعادي.

ويسعدني أن يطمئنني أحد المسؤولين في الدولة السنية بأن تقديرى في غير مكانه! والنتيجة المنطقية ـ ان صحّ ذلك التقدير ـ أن السودان يستحق بجدارة تجديد العقوبات الأميركية عليه لأنه لا يحسن الدفاع عن نفسه!

بدأ الخطاب بذكر تردي الأحوال في دارفور في الأسابيع الماضية: تدهور الحالة الأمنية، مقتل واختطاف جنود القوات الافريقية (دون ذكر من فعل ذلك)، الاعتداء على عمال الاغاثة، قفل الطرق خارج الجنينة.

مما أدى الى عدم وصول الاغاثة لــ 650 ألف نازح، صعوبة حصول المنظمات الانسانية على اذن بالسفر الى دارفور وتهديدهم بوقف نشاطهم، هجمات الحكومة السودانية على مواطني دارفور، فشل الحكومة في نزع سلاح المليشيات الموالية لها من الجنجويد، فشلها في محاكمة مرتكبي الجرائم الانسانية.

وعدم تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية، وعدم توفير الأمن لمعسكرات النازحين مما لا يشجع بعودتهم الى مناطقهم الأصلية، تباطؤ الحكومة السودانية في انفاذ اتفاقية السلام الشامل (وهى تهمة ترددها قيادة الحركة الشعبية)، رفض الحكومة تنفيذ تقرير لجنة الخبراء بخصوص منطقة أبيي، التباطؤ في سحب الجيش الحكومى من الجنوب.

سيطرة الحكومة على الوزارات الرئيسية في الحكومة الاتحادية، وتجنب الاصلاح في أجهزة المخابرات والقضاء والخدمة المدنية (يعني عدم ادخال عناصر جنوبية فيها والابقاء على ذات العناصر الحكومية القديمة).

عبر الموقعون عن خوفهم من أن يؤدي الفشل في كل تلك المجالات الى انهيار اتفاقية السلام الشامل وربما الى تجدد القتال مرة أخرى، ويتهمون الحكومة بأنها تستغل وفاة جون قرنق للتراجع عن ما تعهدت به في اتفاقية السلام (ربما يشير ذلك الى الجهة التي يستقي منها الموقعون معلوماتهم عما يجري في السودان!).

وينتقل الخطاب بعد ذلك الى محاصرة الحكومة الأميركية نفسها في "التنازلات" التي قدمتها لحكومة السودان رغم كل ذلك الفشل في تحقيق السلام الشامل:

ارسال وكالة المخابرات المركزية في أبريل الماضي طائرة خاصة لنقل مدير المخابرات السودانية، اللواء صلاح قوش، الى واشنطن لإجراء محادثات معه وهو المسؤول عن جريمة الابادة الجماعية في دارفور.

سماح الخارجية الأميركية لحكومة السودان ـ المسؤولة عن قتل أكثر من 400 ألف مدني في دارفور ـ بأن تستأجر شركة علاقات عامة أميركية بـ 530 ألف دولار لتساعدها في تبييض وجهها أمام المجتمع الأميركي.

رفع الحكومة السودانية من الدرجة الثالثة في المراقبة (أشد أنواع المراقبة) للحكومات ذوات السلوك اللاانساني الى الدرجة الثانية مع أن لجنة التحري الدولية في يناير الماضي ذكرت في تقريرها أن بعض القوات الحكومية ضالعة في حوادث اختطاف واغتصاب في دارفور. بأي مبرر اذن ترقى الحكومة السودانية الى درجة أخف من المراقبة؟

ان الحكومة الأميركية اعتمدت معاهدة منع وعقوبة جريمة الابادة الجماعية، وهي أعلنت أن ما وقع في دارفور يشكل جريمة الابادة الجماعية. وأبدى الموقعون قلقهم البالغ من عدم اتساق أفعال الحكومة الأميركية مع التزامها بذلك التعهد الدولي.

واختتم الخطاب الى وزيرة الخارجية بأن الموقعين عليه ينتظرون منها في وقت قريب توضيح السياسة الأميركية تجاه حكومة السودان. وأظن أن التوضيح المطلوب قد وصلهم بتجديد العقوبات الاقتصادية على السودان .

وابقائه في قائمة دول الارهاب وبحجب لجنة المساعدات الخارجية بالكونغرس لمبلغ 50 مليون دولار كان ينبغي أن تأتي لدعم قوات الاتحاد الافريقي في دارفور والتي تعاني من نقص حاد في مواردها المالية!

كاتب سوداني