اذا كنت أباً مسلماً وهاجرت إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو كندا ومعك زوجك وأبناؤك القاصرون فاعلم أنه ستكون في انتظارك معركة ثقافية مستقبلية لتقرير مصيرك ومصير أسرتك في الحياة.
ان إغراء الهجرة الى مجتمع غربي متقدم مادياً وما يوفر مثل هذا المجتمع من تسهيلات ومسرات العيش من الصعب ان يقاوم. ولذا يندر ان نجد أباً مسلماً يفكر مرتين فور ان تتاح له مثل هذه الفرصة من أجل ان يتفحص الوجه الآخر السالب للمغامرة.
هذا الوجه الآخر يتعلق بأمر القيم الأخلاقية السلوكية للمهاجر المسلم وتعارضها وتناقضها مع القيم السائدة في المهجر الغربي الرأسمالي.
ولا يظن أب مسلم يطمح إلى الهجرة ان التناقض الأخلاقي بين قيمه كمسلم وقيم المجتمع الغربي ناشىء عن الطابع المسيحي لذلك المجتمع.. فالانتماء المسيحي هناك يكاد يكون قد تلاشى تماماً مفسحاً المجال لقيم الاستهلاك الرأسمالية المرتكزة الى انتشار مبدأ الإباحية الشاملة باسم الحرية الشخصية.
قد يستطيع بعض الأباء المهاجرين من المسلمين ان يصمدوا في وجه التيار الإباحي الاجتماعي رغم قوته العارمة الكاسحة بحكم نشأتهم في الموطن الأصلي.. لكن هل يضمنون مثل هذه المقاومة لأبنائهم وبناتهم.. فضلاً عن الجيل التالي اذا تزوج الأبناء والبنات وقد اندمجوا في بيئة المهجر الغربي؟
إنها معركة ثقافية.. لكنها في كل الأحوال معركة خاسرة سواء بالمعنى السلبي أو المعنى الايجابي.من ناحية المعنى السلبي قد تتضامن جالية مسلمة في مدينة أو ضاحية في أحد البلدان الأوروبية أو الأميركية لتنشىء مدرسة اسلامية للأطفال..
وتبني مسجداً بما يهيىء لها أسلوب حياة إسلامياً.. لكنها على هذا المنوال سوف تجد نفسها معزولة عن المجتمع العريض الذي يضمها مع مجموعات ثقافية أخرى.. وبالتالي سوف يتحول الأطفال الى مواطنين بلا مواطنة وبلا انتماء.
أما من ناحية المعنى الايجابي فقد يقرر مهاجر مسلم أو مجموعة مهاجرين مسلمين الخوض في تحدٍ ثقافي للمجتمع عن طريق تكوين جمعيات لنشر الثقافة الإسلامية ولكنهم سرعان ما يكتشفون انهم يخوضون معركة يائسة.. فكيف يتسنى لأقلية بسيطة لا تشكل أكثر من 10 في المئة من المجتمع ان تتحدى بنجاح تيار الأغلبية الجارف.
على الصعيد الواقعي نجد أن أغلبية المهاجرين المسلمين في المجتمعات الغربية يعيشون أزمة هوية ثقافية.. فهم منتمون ولا منتمين في آن بحيث أصبح النموذج السائد بين الشباب هو الشخصية المهزوزة فاقدة البوصلة الثقافية. إنها الشخصية المزاجية غير العقلانية.
من هذا المنظور لا أحد يستطيع ان يتنبأ بمستقبل الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية ومصيرها النهائي. لكن من المؤكد أنهم موعودون فيما يبدو بمسلسل لا ينتهي من الصدامات الثقافية مع الأغلبية التي ترفضهم.