عكست نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية المصرية التي جرت في ثماني محافظات، مدى هشاشة أحزاب المعارضة الرسمية التي انضوى أغلبها تحت لواء الجبهة الوطنية للتغيير، وظهر الخلاف فيما بينها في عدم الاتفاق على مرشح واحد في عدد من الدوائر، تركت مفتوحة للمنافسة أمام الجميع.

فكرة الجبهة كنوع من التكتل في مواجهة الحزب الوطني الحاكم لا غبار عليها، لكنها ليست بديلا يمكن أن يداري غياب أحزاب المعارضة عن التلاحم مع الناخبين، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت تحول أغلب أحزاب المعارضة ان لم يكن جميعها إلى مجرد مقار وصحف ناطقة باسمها ليس أكثر.

كما ان الاطلاع السريع على القائمة التي تقدمت بها المعارضة، يكشف ندرة الوجوه ذات البريق والتي يمكن لها الاستحواذ على ثقة الناخبين والالتفاف حولها، رغم ان الانتخابات لا تزال تجري على أساس اختيار المرشح الفرد بعيداً عن انتمائه الحزبي أو العقائدي وهي حقيقة لا يمكن إنكارها رغم مرور أكثر من ربع قرن على تجربة التعددية في مصر.

ربما عول البعض هذه المرة على الإشراف القضائي الكامل على سير عملية الاقتراع والسماح لمنظمات المجتمع المدني بمراقبة اللجان، غير ان ذلك وان قلل عمليات التزوير الفاضح التي كانت تتم في انتخابات سابقة.

إلا انه لن يلغي قواعد اللعبة الانتخابية التي تعتمد على قدرة المرشح ذاته في حشد الناخبين للتصويت لصالحه بناء على قواعد شبه مستقرة قوامها العصبية العائلية والقبلية والقدرة المالية.

ولا ينجو من تلك المعادلة حتى رموز المعارضة الذين يتمكنون من النفاذ إلى قبة البرلمان، إذ ان الناخبين ـ باستثناء القليل منهم ـ يختارون هذا المرشح أو ذاك بدوافع المصلحة المباشرة والتي لا تحتمل التأجيل كتوظيف قريب أو حل مشكلة مع الإدارات الحكومية !

هذا لا يقلل من أن ثمة جديد في الانتخابات المصرية، يمكن البناء عليه لتغيير هذه القواعد التي تحد من التغيير المنشود فرغم الاحتكاكات التي حدثت هنا والشكوى من تجاوزات وقعت هناك، اجمع المراقبون على ان عملية التصويت جرت في أجواء أفضل بكثير من مرات سابقة، وصلت فيها التجاوزات حد مقتل مرشحين وناخبين وهو ما لم يحدث حتى الآن.

المرحلة الأولى من الانتخابات وان لم تكن النموذج المبتغى، إلا أنها ألقت على أحزاب المعارضة التي بدت في مهب الريح، عبء إعادة النظر في مجمل مسيرتها، والبحث عما يمكن ان يخرجها في المستقبل من شرنقة المقار الحزبية والصالونات السياسية البعيدة عن الجماهير وقضاياهم، بدلا من الاستمرار في الشكوى من الحصار الحكومي وكفى المؤمنين شر القتال.

أحزاب المعارضة مطالبة بتصحيح أوضاعها والسعي الجاد من اجل تخطي العقبات التي تواجهها على الطريق بشجاعة أكثر وصدق مع الذات، لأن بقاء الوضع على ما هو عيه لن يفيد التجربة الديمقراطية، ويلقي بظلال من الشك على مستقبل تلك الأحزاب ذاتها.