تجمع منظمات »المجتمع المدني« على أنها »البلسم« الشافي للنزاع المزمن بين السلطة وجمهور الناس مفترضة ضمناً ان السلطة مكونة بالقمع والاستبداد دوماً فيما جمهور العامة من الناس لا سبيل له للوصول إلى منابع الثروة والقوة.

ومن هنا فإنها، أي تلك المنظمات، ما كانت لتقوم أو تنشأ إلا لتشكل البديل الخلاصي لعقم الصراع العنيف الذي ظل دائراً عبر العهود الطويلة بين حكام طغاة ومتمردين غلاة وتالياً من أجل منع تعرض الأوطان لهجوم الطامعين الغزاة بمقدرات الأمم والأوطان.

في الفترة بين 7 ـ 8 من نوفمبر الجاري اجتمع المئات من منظمات »المجتمع المدني« في إحدى العواصم العربية وذلك في إطار ما سموه بالمؤتمر الموازي »لمنتدى المستقبل«.

وهو المنتدى المكلف لبحث مستقبل الحريات والإصلاحات والديمقراطية في منطقة فضلت واشنطن أن تسميها بـ"الشرق الأوسط الكبير" أو الموسع، متجنبة بوعي مقصود مصطلحي العالم العربي والإسلامي لغاية في نفس "يعقوب".

ولما كان "المنتدى الموازي" قد وضع نفسه وسيطاً مفترضاً بين توق جمهور العامة لإصلاح جذري صعب المنال، وتثاقل عموم السلطات عن القيام بالإصلاحات الضرورية والملحة.

فإن من ملزومات ذلك الدور المفترض والمناط بهذه المنظمات المدنية هو استقلاليتها وبعدها قدر الإمكان عن مصادر قوة الحاكم وشبهة الاستقواء بقوى الاحتكار والهيمنة والنفوذ العالمي.

لكن منتدى البحرين الموازي ورغم غنى الأبحاث التي عرضت فيه وقوة الأصوات التي نادت بضرورة نأيه عن مواطن الشبهات.

ومساعي الكادر الرئيسي المنظم له الحثيثة لتجنيبه تلك "المطبات" إلا أن ثمة من حاول من "المتنفذين" المخضرمين في ساحات المناورة أن يدفع بالمنتدى إلى حيث لا يجوز أن يذهب إليه، ما دفع بالأنظار العامة للاعتقاد بأن الزخم الاستقلالي لهذه المنظمات قد أصبح في دائرة حصار السلطات التي كان يفترض أن يكون منفكاً عنها بالأساس.

وما زاد الطين بلة هو أن وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد أعلنت عشية اجتماع المؤتمر الحكومي الأصلي المقرر في 11 ـ 12 نوفمبر بأن بلادها قررت تخصيص 50 مليون دولار لدعم دمقرطة الشرق الأوسط.

والتي سيتم صرف الكثير منها عبر قنوات المجتمع المدني، كما هو متوقع، ما جعل دائرة الحصار والشبهات تتسع حول الدور المستقل والحيادي الذي يمكن أن تلعبه تلك المنظمات أو المهمة التي أوكلت نفسها القيام بها.

إن هذه الإشكالية كما يتوقع لها الكثير من المراقبين تتجه نحو الاتساع والتعقيد أكثر فأكثر، كلما تصاعدت حدة الاستقطابات والتوترات بين الطغاة والحكام والغلاة من المتمردين والغزاة من الطامعين في مقدرات وثروات أوطاننا وبلداننا.

فالغزاة القدامى يظهرون اليوم بلباس "محررين" وخلاصيين ودعاة ترويج للديمقراطية والحرية والتقدم، وهي شعارات لا يمكن بسهولة أن يتجاهلها جمهور المهتمين بتقدم الأمم والشعوب من جمهور العامة كما مجموعة منظمات المجتمع المدني التي تكفلت بدور البديل الخلاصي.

والحكام المستبدين »سابقا« بدأوا شيئا فشيئا "يتسللون" إلى دوائر المطالبات الشعبية ويقبلون أكثر فأكثر على خطوات تصالحية مع قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى مما يجعل مهمة الاستقلال لمنظمات المجتمع المدني والمؤتمر الموازي المذكور أكثر صعوبة وحرجاً.

مراقبون لبنانيون »خبثاء« لكنهم ظريفون علقوا على حالة التداخل الآنفة الذكر باستحضارهم برنامجاً إذاعياً كان يديره زياد الرحباني ابن المطربة الشهيرة فيروز أيام الحرب اللبنانية الأهلية تحت عنوان »بعدنا طيبين.. قول.. الله« عندما عرض يوماً المعضلة التي كان يعيشها.

وقتئذ دعاة وقف الحرب من التقدميين اللبنانيين آنذاك بسبب تعمد أمراء الحرب الأهلية رفع شعارات من جنس ونوع الشعارات التي يرفعها خصومهم من القوى الشعبية المستقلة لغرض التشويش على خصومهم ومنعهم من تحقيق أهدافهم خارج الإطار والأهداف التي اندلعت من أجلها الحرب، مما دفع بزياد الرحباني يومها إلى الصراخ قائلا:

اخرجوا من بين صفوفنا واصطفوا في الطرف الآخر من الشارع أيها النواب والوزراء الحكوميون حتى نعرف أين نحن من مهمتنا الأصلية، في إشارة طريفة إلى ما صار يعرف فيما بعد في قاموس الحرب الأهلية اللبنانية بمقولة "اختلط الحابل بالنابل".

أقول ان منظمات المجتمع الأهلي والمدني المستقلة وغير المتنفذة تجد نفسها اليوم في احرج أيامها وأوقاتها وهي تتحرك فيما يشبه بحقول الألغام لا بل ان البساط من تحت أرجلها يكاد يسحب تماما اليوم بعد ان تم مصادرة كل شعاراتها .

ومطالباتها من قبل الغزاة الطامعين »بإصلاحات« من جنس مصالحهم وطموحاتهم وبعد ان تم "احتلال" كل الأرضية التي يستندون إليها ويتكئون عليها، الأمر الذي جعل من مهمتهم الاستقلالية عن مثلث الغزاة ـ الطغاة ـ الغلاة في أصعب أوقاتها.

ثمة تحديات جدية اذن تتجه للظهور أمام منظمات المجتمع المدني في ظل حرب الشعارات والأفكار والمقولات »الإصلاحية« التي بدت تأخذ طريقها للتعميم في ساحات العمل السياسي والحقوقي والدبلوماسي والفكري.

وحدهم الذين سيعضون على الجراح ويمسكون بالمبادئ حتى لو كانت مجمرة ويقبلون بالقليل من الدعم الشعبي الخالي من الشبهات لهم هم الذين سينجحون في امتحان الاستقلالية.

كما في امتحان المهمة الخلاصية والانقاذية، اما المخضرمون في اللعب على حبال الوصايا والتبعيات والانقيادات فانهم سرعان ما سيتحولون إلى رديف مذموم للغزاة وزمار منبوذ للطغاة ومروج رخيص للغلاة بعد ان كان يفترض بهم ان يكونوا نموذجاً صالحاً للدعاة.

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني