في 20 أكتوبر أقر المؤتمر العام لليونسكو معاهدة حماية وتعزيز التنوع الثقافي بعدما شهدت أروقة المنظمة الدولية »حربا« دبلوماسية وفكرية طاحنة بين واشنطن من جهة والعالم أجمع من جهة أخرى مع تفاوت الحماس بالطبع عند مؤيدي الاتفاقية.
إسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي وقفت إلى جانب الولايات المتحدة وصوتت ضد الاتفاقية. ويعبر هذا الموقف الإسرائيلي بشكل خاص عن سياسة التضامن المتبادل وشبه التلقائي بين القوة الفائقة وبين إسرائيل في المنتديات الدولية.
الدول الأربع التي امتنعت عن المشاركة في التصويت وهي أستراليا، نيكاراغوا، الهندوراس وليبيريا فسرت امتناعها بأنه عائد إلى "الحمائية" الشديدة في الاتفاقية وإلى تمسكهم بمفاهيم وأسس سياسات التجارة الحرة دون أن يصل ذلك إلى رفض الحفاظ على التنوع الثقافي، إنه نوع من سياسة إمساك العصا بالوسط: مع الاتفاقية ومع وجود تحفظات أساسية على بعض بنودها.
جملة من الملاحظات يمكن التوقف عندها في هذا الصدد:
أولاً: معارضة واشنطن المبدئية والشديدة ذات أبعاد ثلاث متكاملة منها الرؤية الاقتصادية النيوليبيرالية التي تتمسك بها الإدارة الأميركية حول حرية السوق وتحرير التجارة كلياً رغم أن واشنطن تلجأ إلى الاستثناءات عند الحاجة إليها لخدمة مصالحها.
واشنطن تعتبر أن السلع الثقافية هي مجرد سلع تجارية أسوة بغيرها من السلع التجارية ويجب ان تعامل على هذا الأساس ولا تحظى بأي تمييز أو استثناء الأمر الذي يعني إخضاعها لقواعد وأحكام منظمة التجارة العالمية.
معارضة واشنطن أيضاً تعبر عن مصلحة اقتصادية كبرى وهي حماية صناعة السينما الهوليوودية التي تدر صادراتها السينمائية ما يزيد على مليار دولار سنوياً على الاقتصاد الأميركي ثم هنالك أيضاً وراء الموقف الأميركي منطق الأحادية الشديدة في السياسة الأميركية.
المنطق الذي يحارب الدبلوماسية التعددية ويحارب أيضاً إنشاء معاهدات دولية تشكل قواعد وتبلور قيما مشتركة للعمل الدولي وللعلاقات الدولية باستثناء إنشاء منظمة التجارة العالمية للأسباب المذكورة سابقاً.
فالأحادية ترفض ذلك كله لأنه يقيد السياسة الأميركية التي تعتبر أن معيار سلوكها الوحيد عالمياً هو الشرعية السياسية الداخلية وليس الشرعية الدولية.
ثانياً: رغم طبيعة المسألة المطروحة ومضمونها فلقد تحولت بسرعة هائلة إلى مسألة سياسية دولية وجدت واشنطن ذاتها في هذه المسألة وحيدة فيما وقفت مختلف القوى الغربية .
ومنها القوى الصديقة جداً لواشنطن مثل بريطانيا من جهة أخرى وحصل إجماع في موقف الاتحاد الأوروبي الذي تكلم بصوت واحد وهي ظاهرة جديدة في الفترة الأخيرة فيما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، وخاصة بعد توسيع الاتحاد ودخول عدد من أصدقاء واشنطن في أوروبا الشرقية إليه.
واعتبرت المعاهدة نصرا دبلوماسياً كبيراً لفرنسا التي قادت حملة اعتمادها، وفرنسا كانت قد لعبت دوراً أساسياً في بلورة الإعلان الدولي للتنوع الثقافي الذي صدر عن المؤتمر العام لليونسكو عام 2001 والذي يعتبر بداية لعملية بلورة هذه المعاهدة.
ثالثاً: رغم أن المادة عشرون للمعاهدة تعتبر أن هذا القانون الجديد الذي أنشأته المعاهدة في القيمة القانونية ذاتها للقوانين "الدولية" القائمة التي أنشئت في معاهدات دولية مثل منظمة التجارة العالمية.
لكن الضوابط القانونية في معاهدة التنوع الثقافي ليست بالقوة ذاتها ومصاغة بشكل مرن كما لاحظ أكثر من خبير قانوني في هذا الأمر بعكس ما هي عليه قواعد وأنظمة منظمة التجارة العالمية، لكن في نهاية الأمر ما يحكم التقيد من عدمه بقواعد هذه المعاهدة هو توازن القوى السياسي والاقتصادي القائم في كل حالة على حدة.
رابعاً: إن إقرار هذه المعاهدة يتخطى الشأن الثقافي المعنية به المعاهدة، ليعكس وجود صراع بين رؤيتين للعولمة. رؤية أميركية تريد عالماً ثقافياً مسطحاً.
وتقوم على الأمركة في مختلف المجالات وتخلط عن قصد بين الحفاظ على الخصوصيات الوطنية والثقافية وتلك المتعلقة بالهوية من جهة وهذا الشأن إنساني عالمي وطبيعي وبين الانغلاق والتقوقع من جهة أخرى.
وهنالك الرؤية الأخرى التي حملتها المعاهدة وأقرتها وهي ان العولمة بقدر ما هي تفاعل وانخراط في العالم بين مختلف مكوناتها مع "أنسنة" هذا التفاعل ومحاولة الحفاظ على التوازنات فيه ضمن منطقة العولمة التضامنية فهذه الرؤية تعتبر أن المحلي والوطني في انخراطه بالعالمي قادر أن يقدم عولمة أكثر ديمقراطية.
وتنوعاً وغنى للجميع، عولمة أكثر شرعية من خلال استيعابها البناء للتنوع وتشجيعها للتفاعل مع الآخر. هذه هي الرسالة الأساسية التي حملها إقرار معاهدة حماية التنوع الثقافي وتعزيزه.
كاتب لبناني