في أيام الحصار التي سبقت الغزو كان الأردن رئة العراق، وبعد الاحتلال صار الأردن المجال الحيوي للصراع الشرس الدائر على أرض الرافدين، ليس بحكم الجغرافيا التي تجعل البلدين متلاصقين ومتلازمين، بل بفعل السياسة التي تنجم عن إدراك عمان لضرورة أن يكون لها دور في العراق، حماية للأمن القومي الأردني، ودفاعاً عن مصلحته القطرية، وارتباطاته الدولية.

دون أخذ هذا الأمر في الاعتبار لا يمكن أن نفهم على وجه الدقة التفجيرات التي هزت عمان ليلة الخميس الفائت، والتي جعلت العاصمة الأردنية تعيش ساعات غير مسبوقة في تاريخها.

فالأردن بات مستهدفا بفعل أمرين لا ثالث لهما، الأول أنه »موقع تبادلي« للصراع المسلح بالعراق، والثاني، أنه يلعب دوراً لا يروق لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ومن ثم يستحق من وجهة نظره عقاباً قاسياً بحجم الذي جرى في عمان، ومن قبلها العقبة، وكذلك السفارة الأردنية في بغداد.

والدور الأردني في العراق لا يخرج عن شيئين، الأول مساعدة السنة لمنع قيام »الهلال الشيعي« الذي حذر منه الملك عبدالله الثاني، والثاني هو مؤازرة النظام السياسي الجديد، الذي تكون بعد الإطاحة بحكم صدام حسين، لإنهاء حالة الفوضى التي يعيشها العراق، والتي تؤثر سلبا على استقرار الأردن، وتمنيه بخسائر اقتصادية.

ورغم تلاقي الأردن والقاعدة في محاربة الهلال الشيعي، فإن الأسلوب الذي يتبعه الطرفان من أجل بلوغ تلك الغاية مختلف إلى حد كبير، ومن ثم تتصادم مصالحهما، وتتناطح إرادتهما.

فالأردن يحقق هدفه هذا بمساعدة السنة على أخذ ما يستحقونه من مواقع وأدوار سياسية داخل دولة عراقية مستقرة وديمقراطية، بينما القاعدة يشد السنة إلى تبني الخيار المسلح طريقا لبلوغ هذا الهدف.

وبينما يرى الأردن أن بقاء الاحتلال ضروري الآن حتى تستقر الأوضاع ويستتب الأمن، وبعدها ينتفي مبرر بقاء أي قوات أجنبية على أرض الرافدين، يقاتل تنظيم القاعدة من أجل إخراج الأميركيين في أسرع وقت ممكن، وأذل طريقة ممكنة.

ويشاطر حزب البعث العراقي المنحل، ورموز الجيش السابق المنخرطين في صفوف المقاومة، تنظيم القاعدة رؤيته هذه، ومن ثم لا مانع لديه من مساعدة أبو مصعب الزرقاوي، الأردني الأصل، على تنفيذ عمليات داخل الأردن، تثنيه عن مواصلة الدور الذي يلعبه في العراق.

وما يزيد من وطأة الأردن، ويدفع تنظيم القاعدة إلى استحلال أرضه ومنشآته واسترخاص دماء مواطنيه، تلك العلاقات المتميزة التي تربط عمان بواشنطن، والتي تجعل أتباع القاعدة يظنون أن السياسة الأردنية ليست بعيدة تماما عن الاستراتيجية الأميركية في العراق.

علاوة على العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية، والتي إن لم تكن سببا مباشرا للعمليات الإرهابية التي تستهدف الأردن، فإنها تساعد الإرهابيين في صوغ تبريرات دعائية لعملياتهم.

والأردن ليس استثناء في عدم قدرته على منع العمليات الإرهابية، ولا أحد بوسعه في العالم أن يمنعها اعتمادا على الطرق الأمنية، لأن كل الخطط والاستراتيجيات العسكرية.

وضعت من أجل ضمان حماية الفرد المقاتل، لكن ليس هناك من خطة تمنع فردا من قتل نفسه، وهو ما يدركه الإرهابيون، ومن ثم يلجأون إلى العمليات الانتحارية.

لكن الأردن سيظل استثناء في حجم الاستهداف، نظرا لعدة عوامل، أولها أن السياسة الأردنية حيال العراق من الصعب أن تتغير، لأنها تنبع من صميم الأمن القومي الأردني وتتماشى مع ارتباطات عمّان الدولية، وثانيها أن رأس تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أردني الأصل.

ويعرف عن بلاده الكثير، وله صلات قديمة قد تفيده، وهناك بعض الشباب الأردني الرافض لاحتلال العراق متعاطف معه، وتروق له عملياته ضد الأميركان. أما العامل الثالث فهو وجود جالية عراقية كبيرة على أرض الأردن، نزحت أثناء الغزو وبعده.

وتنتمي إلى مختلف الشرائح الطبقية، والاتجاهات السياسية في العراق. وبعض هؤلاء قابلون للتجنيد في صفوف القاعدة، أو منتمون إلى حزب البعث، الذي يصارع من أجل العودة إلى الحياة السياسية.

هذه الملابسات جميعا تجعل موقف الأردن صعبا، وتحتم على رجال الأمن فيه أن يظلوا دوما يقظين، وقد تدعو عمان إلى التفكير في مسار جديد للتعامل مع المسألة العراقية، لا يهمل مصلحة الأردن الوطنية الآنية والآتية، لكنه يقلل من درجة استعداء تنظيم يعجز العالم برمته عن استئصاله.

* مدير مركز بحوث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة