يرتفع منسوب الاحتقان، بين واشنطن ودمشق بوتيرة متسارعة. مفرداته والدرجة التي وصلها، مع انسداد المنافذ أمامه؛ كلها تؤشر إلى أن العلاقات بين العاصمتين باتت تقترب، بشكل حثيث، من تخوم الخط الأحمر. فلا يكاد يمر أسبوع وأحياناًً أيام من دون التراشق بالتصريحات النارية، المباشرة أو المبطنة.
الأجواء بينهما صارت مشبعة بالحمولة الوازنة من عوامل التوتير والتأزيم.ولغة التخاطب المتبادل أخذ يطغى عيها، أكثر فأكثر، طابع التحدي والتحذير الذي يلامس التلويح بالتهديد. وهو مسار مفتوح على المزيد من التأزيم في ظل انقطاع الحوار بين البلدين واقتراب الاستحقاقات الحاسمة من مواعيدها.
آخر وجبة من التصعيد تمثلت في ما جاء بخطاب الرئيس بوش، يوم الجمعة، الذي كانت لسوريا فيه حصة بارزة.
فقد هاجم دمشق واتهمها »بتصدير العنف«؛ وطالبها بوجوب العمل والتجاوب مع ما يطلبه المجتمع الدولي والتعاون مع تحقيقات ميليس، بصورة تامة فضلاً عن ضرورة »التوقف عن ترويع وزعزعة الحكومة اللبنانية«.
وأتى هذا الكلام على خلفية عدم التوصل إلى صيغة حتى الآن، لموضوع استجواب الضباط السوريين الستة الكبار. كما على خلفية الخطاب الشامل الذي كان الرئيس الأسد قد ألقاه قبله بيوم، والذي هاجمته الإدارة الأميركية ووصفته بتعابير، تصب الزيت على النار في ضوء هذا الغليان المتزايد، تقتضي الإشارة إلى الحقائق التالية:
1-إن خطاب الرئيس السوري جرى تصنيفه أميركياً في خانة التشدد، خاصة لناحية عدم البت بمطلب ميليس التحقيقي الأخير، لكن الرئيس الأسد لم يغلق الباب. بل انه جدد الاستعداد والالتزام »بالتعاون الكامل« مع التحقيق الدولي. ويبدو أن الجدل الدائر الآن يجري حول وضع الآليات القانونية والإجرائية.
2-إن تغليب لغة التحدي والتصعيد والإنذار ـــ ولو الضمني، خاصة من جانب الولايات المتحدة عند هذا المفصل الدقيق من عملية التحقيق، لا يخدم العملية القضائية. فهو إذا كان لا يتعمد وضع العصي في دواليبها؛ إلا أنه عملياً ينتهي عند النتيجة نفسها.
3-ان مطالبة سوريا بالتعاون الكامل، »مع ما يطلبه المجتمع الدولي«، لا غبار عليه بحد ذاته. فدمشق تعهدت بذلك وسوف تلتزم به، ولكن لكي تستقيم مثل هذه المطالبة وتكون لزوميتها قاطعة حاسمة.
لا مكان للجدال فيها، فلابد أن تمتلك صدقية وشمولية القاعدة السارية على الجميع سواسية ومن دون ازدواجية وتمييز، فإذا كانت سوريا أعلنت التجاوب مع الإرادة الدولية؛ فينبغي أن لا يكون هناك استثناء لهذا السريان.
وما يطالها ينبغي أن يطال إسرائيل؛ التي تنعم بامتياز؛ يوفره لها من يتحدث الآن باسم المجتمع الدولي؛ بحيث تمكنت من الضرب بعرض الحائط كل قرارات الأمم المتحدة التي صدرت ضدها!
ثمة أمران مفقودان في هذه المعادلة: الصدقية والحوار. ولابد من العودة للعمل بهما، وبالأدق إلزام، إسرائيل بتنفيذ كل القرارات الدولية.