قبل عام مضى، رحل القائد الفلسطيني الرمز، رمز مسيرة النضال الفلسطينية لأكثر من أربعة عقود. القائد الذي كرس حياته لقضية شعبه، واندمج في هذه القضية حتى اندمجت فيه فأصبح ياسر عرفات وجها آخر لآمال شعبه، واهدافه في التحرر والاستقلال.

وأمضى حياته مناضلاً و صلباً، ومكافحاً عنيداً لانت لعزيمته صخور العقبات والعراقيل التي وضعت في طريق احياء القضية الفلسطينية من مرقدها وانبعاثها قوية متدفقة لتصبح قضية شعب قيده الاحتلال، وحرمه من أبسط حقوقه الوطنية والانسانية.

عام على رحيل القائد الذي ما هان يوماً أمام الصعاب، ولا استكان لضيم حاول المحتلون إلحاقه بشخصه أو بشعبه. القائد الذي عاد الى ارض وطنه على صهوة تضحيات ابناء وطنه، غرس نفسه كزيتون بلاده على التراب الفلسطيني الطهور، وواصل صموده كجبل لا يهتز للريح، حتى استشهد واقفاً.

لم ينحن لأحد إلا الله سبحانه، وما تزال كلماته تدوي في آذان الزمان عندما هدد الاسرائيليون أن يأسروه أو يبعدوه أو يقتلوه، حين أشار بسبابته مكررا ما يتوق إليه من مصير، ثلاث مرات كعادته التي عرفها مواطنوه: بل شهيداً، شهيداً، شهيداً.

لقد نال الشهادة كما تمنى، ولكن بعد أو أوضح لشعبه طريق الحرية وهو طريق التضحية والعبر، والتمسك بالثوابت الوطنية. فقد كان زعيماً تاريخياً،

وكان يدرك بفطرته أن التاريخ يسجل له أقواله وأفعاله فحرص في كل أقواله وأفعاله على أن لا يترك للتاريخ منفذاً الى انتقاده بقصور أو تهاون، أو مزايدة على قضية وطنه ومستقبل شعبه.

وكان موقفه في قمة كامب ديفيد التي جمعته برئيس وزراء اسرائيل آنذاك «ايهود باراك» والرئيس الاميركي «بيل كلينتون» نموذجاً للسعي نحو الكمال في اداء الرسالة الوطنية، والامانة الدينية تجاه المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس العربية رفض السيادة المشتركة على المسجد الأقصى، وكرس بذلك اسلامية المسجد، وفلسطينيته الى الأبد.

حوصر أبو عمار في مقاطعة رام الله ثلاث سنوات عجافاً، فما تراجع عن مواقفه الراسخة قيد أنملة. وهدده الاسرائيليون فما زادته التهديدات إلا صلابة وتمسكاً بالحقوق الفلسطينية العادلة والمشروعة.

وتخلى عنه الاشقاء العرب في ساعات المحنة والابتلاء، فكان ذلك يقابل من أبي عمار بالعفو والصفح الجميل، والتأكيد على عروبة فلسطين أرضاً وشعباً. وكان في حياته اليومية متواضعاً متقشفاً، فأعطى صورة مشرفة للزعامة الفلسطينية، ستظل خالدة على مدى الدهر.

وفي ذكرى استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات، الذي عاش لفلسطين فقدره الشعب الفلسطيني حق قدره، وأعطاه كل ما يمكن لشعب أن يعطيه لقائده من الوفاء والمحبة والوفاء والاخلاص في ذكرى استشهاد عرفات، والشكوك التي ما تزال تحوم حول ظروف وفاته، فان العالم مطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية نزيهة ومحايدةو لتحديد سبب الوفاة، وملاحقة الجناة ان كان هناك من تسبب في اغتياله على نفس نمط اللجنة المشكلة للتحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري الذي كان من اقرب المقربين لابي عمار والمقدرين لنضالاته.

استشهد أبو عمار، لكن الراية - وبكلمات الراحل الكبير نفسه - لم تسقط فالعهد هو العهد، والقسم هو القسم، وسيرفع شبل فلسطيني أو زهرة فلسطينية العلم الفلسطيني فوق أسوار ومآذن وكنائس القدس «انهم يرونه بعيداً ونراه قريباً"...«ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين» صدق الله العظيم.

وليرحمك الله يا أبا عمار، وينزلك منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.