بقدر ما يثير رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من مرارة وأسى بقدر ما يحتم أسئلة تظل دون إجابة، مما يفاقم من مرارة الفقد ومما يحمل على قدر من الإحباط على ضياع مصائر الشعوب بسبب هيمنة القوى الكبرى التي يمكن أن تسكت في الوقت الذي تريده وتحجب المعلومات عمن تريد وتتجاهل كامل الأمر وفقاً لرؤيتها.

لقد حاول الفلسطينيون كثيراً إيجاد حل لهذا اللغز المتمثل في الوفاة بالنظر إلى أن تطور وقائع المرض الذي عانى منه عرفات ظلت غامضة، ولم يحتوِ التقرير الأخير على ما يمكن الاستدلال به إلى حقيقة ما حدث، غير أن شهادات لأناس ذوي صلة وثيقة بعرفات مثل طبيبه الخاص لم تستبعد افتراض التسمم..

وبصفة عامة يمكن النظر إلى ما يجري بخصوص هذه الحادثة على أنه فصل آخر على صلة وثيقة بمجمل القضية الفلسطينية، وبمجمل الوضع الدولي، إذ بينما قالت إسرائيل صراحة إنها ستقتل عرفات فإن لا أحد حاول مجرد المحاولة التحقيق معها عقب هذه الوفاة رغم الغموض الشديد الذي أحاط بالوفاة، والذي كان يحتم إجراء مثل ذلك التحقيق، باعتبار أن هناك من تبرع وقدم نفسه كمتهم وهو إسرائيل اعتماداً على تهديداتها..

ومن الواضح أن الدول الكبرى تظهر منتهى الإحساس بالمسؤولية عندما تريد ملاحقة أمر ما، لكنها تفعل العكس حتى عندما تكون هنالك مسائل تستوجب تدخلها مثل هذا الرحيل الغامض لعرفات، الذي كان يقتضي وقفة حازمة من المجتمع الدولي من أجل سبر أغواره ووقائعه وظروفه التي جعلت الشعب الفلسطيني يطالع بأم عينية زعيمه وقائده يذوى ويتلاشى أمام ناظريه بسبب الإنهاك الشديد المفاجئ والألم المرضي الممض، وهو أمر لا يثير حيرة المواطن الفلسطيني العادي فقط، بل إنه أثار حيرة الأطباء أنفسهم..

وفي ذكرى الرحيل الأولى لأبي عمار تتواتر كل هذه الأفكار والمرارات، ومع ذلك فإن الاستغراق في هذه الأمر وبهذه الطريقة غير المجدية لن يشكل حلاً أو لن يأتي بسر هذا الموت الغامض من مكامنه، ومن ثم يبقى أن الشعب الفلسطيني مطالب بالحفاظ على جذوة نضاله وأن يحافظ على سعيه من أجل التسوية، وقبل هذا وذاك الحفاظ على وحدة صفه، إذ إن الأهداف لن تتحقق في غياب الوحدة، وكل ذلك من أجل أن ينال حريته ويستعيد حقوقه ويومها يمكن لهذا الشعب أن يسيطر على أموره بالطريقة السليمة التي تؤكد وجوده وفاعليته في كل شؤونه..

ويومها أيضاً لن يكون هناك سبيل لمثل هذا الغموض والتكهنات في أمر لا يحتمل القيل والقال وفي أمر يتعلق بزعيم تاريخي في مكانة عرفات.. و

لهذا ولغيره ومن أجل ألا تتحقق للشعب الفلسطيني هذه الاستقلالية ومن أجل ألا يحوز على كامل كرامته ومن أجل ألا يمتلك ناصية قراره، ومن أجل أن يغرق في التكهنات والأوهام حول أموره المصيرية، فإن إسرائيل والقوى العالمية المساندة لها تعمل على أن يظل الفلسطينيون تحت الاحتلال وتحت القهر.