في لقاء مع الإعلاميين والصحافيين والمثقفين والكتّاب والأدباء في مدينة بنغازي الليبية دعا سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي العقيد القذافي إلى إلغاء وزارة الإعلام والثقافة ووصف مختلف المؤسسات الإعلامية الليبية التابعة للدولة بأنها تمثل ديكتاتورية الإعلام وأنها موجهة ومقيّدة ولا تستطيع أن تقوم بمهمة المراقبة والتحقيق والاستقصاء للكشف عن التجاوزات والفساد والأخطاء التي تنتشر في المجتمع وتتسبب فيها الجهات الرسمية والمسؤولون ومختلف الجهات ومؤسسات المجتمع الليبي سواء كانت خاصة أم عامة.
يأتي هذا الكلام في ليبيا ومن مسؤول ليبي رفيع المستوى بعد 36 سنة من ثورة الفاتح، الثورة التي انتهجت الاشتراكية وجعلت من الكتاب الأخضر المنهاج الأيديولوجي والاقتصادي والسياسي الذي تطبقه الجماهيرية.
لأكثر من ثلاثة عقود هلّل وزغرد الإعلام الليبي للنظام وللسلطة ولكل المشاريع والبرامج والخطط سواء كانت ناجحة أم مفلسة، سواء كانت على خطأ أم على صواب. وبعد كل هذه الفترة والمدة والحمد لله اقتنع سيف الإسلام أنه حان الوقت للتغيير لوضع حد للنفاق وللمزايدة وللمجاملات التي لا فائدة منها.
ويأتي هذا بعد أيام فقط من تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" الذي صنّف الأنظمة الإعلامية العربية في خانة الدول الأكثر قمعاً للحريات الصحافية والإعلامية. التقرير الذي صنّف الدول العربية في مؤخرة القائمة بالنسبة لدول العالم قاطبة.
وعندما يتعلق الأمر بانعدام الحريات الصحافية فهذا يعني انعدام المجتمع المدني وانعدام الممارسة السياسية الفعالة وانعدام المعارضة، وانعدام الرأي الآخر وأخيراً انعدام الديمقراطية والتي تعني بدورها انعدام ديمقراطية صناعة القرار وانعدام الإدارة الرشيدة والفعالة.
ما صرح به سيف الإسلام القذافي لا يخص الجماهيرية العربية الليبية فقط وإنما ينسحب على الكثير من الدول العربية، حيث ان الأنظمة الإعلامية العربية مع بعض الاختلافات والتباينات بطبيعة الحال، تعاني من ضغوط وقيود كبيرة جداً مسلطة على وسائل الإعلام حكومية كانت أم خاصة. فالمناخ السياسي العربي يتسم بضعف المجتمع المدني وضعف المشاركة السياسية وضعف المعارضة.
كما تعاني بعض الأنظمة العربية من غياب الفصل بين السلطات وعدم استقلالية القضاء.مستلزمات العمل الإعلامي الحر والمسؤول والملتزم تكاد تنعدم في الوطن العربي مما ينعكس سلباً على أداء إعلامي يقوم على الاحترافية والمهنية.
والأخطر في كل هذا هو أن الجميع يلوم المؤسسة الإعلامية والصحافي، لكن في واقع الأمر لا المؤسسة ولا القائم بالاتصال يستطيعون أن يفعلوا الكثير، لأن الطرفين جزء من نظام مفصل ومحدد المعالم مسبقاً ومن يخرج عن النظام يكون مصيره التهميش أو الإقصاء.
وفي غياب قوى مضادة في المجتمع ومعارضة قوية ومجتمع مدني فعال يبقى النظام الإعلامي يفتقد لأسباب القوة والفعالية والنجاح. فالنظام الإعلامي في أي مجتمع ما هو إلا جزء من النظام الذي ينتمي إليه ويعمل في دروبه.
فإذا كانت المؤسسات المختلفة في المجتمع تعاني من غياب الشفافية والممارسة الديمقراطية والإدارة الجيدة والرشيدة والحوار والرأي والرأي الآخر، فالمهمة تكون صعبة جداً خاصة إذا كانت السلطة مسؤولة عن الفساد والتجاوزات.
فالصحافي يلجأ إلى الرقابة الذاتية عندما لا تتوافر الحصانة والحماية وعندما يفتقد قانوناً يحميه وقضاءً مستقلاً يحاكمه وفق معايير العدالة المعروفة عالمياً. الصحافي يتجنب القضايا الحساسة والشائكة عندما يجد غياباً يكاد يكون كلياً على مستوى المجتمع المدني وعلى مستوى النقابات والجمعيات والاتحادات.
تصريح سيف الإسلام القذافي جاء في الوقت المناسب، والسؤال الذي يبقى مطروحاً: هل النظام الليبي وغيره مستعد للتغييرات وللفصل بين السلطات واستقلالية القضاء؟ هل هي مستعدة لتغيير الذهنيات وبدء مرحلة جديدة تقوم على الديمقراطية والشفافية والإدارة الرشيدة؟
ديكتاتورية الإعلام العربي أفرزتها الأنظمة التي ابتعدت عن الديمقراطية والحكم الرشيد وإعطاء الفرصة للرأي العام والقوى المختلفة في المجتمع للتعبير عن آرائها وأفكارها.
الإعلام العربي جُرِّد من شخصيته وقيمه ومبدئه حيث انه وجد نفسه بين مطرقة السلطة وسندان الجماهير، حيث انه من الصعب جداً التوفيق بين إرضاء النظام وإرضاء الجماهير في الوقت نفسه.
والنظام الإعلامي القوي هو الذي يكون بمثابة سلطة رابعة تراقب السلطات الثلاث وهذا يعني أنه يتحتم أن يكون هناك فصل بين السلطات الأمر الذي تفتقد إليه بعض الأنظمة العربية. فالإعلام لا يستطيع أن يراقب ويحاسب ويكشف في غياب قضاء مستقل.
الديكتاتورية السياسية إذن تؤدي إلى الديكتاتورية الإعلامية ويصبح التناغم والتلاحم بين الاثنين قائماً لمصلحة الديكتاتور على حساب الجماهير. المؤسسة الإعلامية نظام فرعي وجزء من النظام الكلي وهي بذلك جزء من البنية الفوقية التي تعكس آليات البنية التحتية.
وهذا يعني أنه إذا أردنا أن نقضي على ديكتاتورية الإعلام في الوطن العربي يجب استئصال أسباب هذه الديكتاتورية وتوفير الجو السليم والمناخ الصحي لممارسة إعلام مسؤول، نزيه وملتزم لتحقيق المصلحة العامة والوصول إلى الحقيقة. فالأمر إذن يتعلق بتحرير الفرد وتحرير العقول وتحرير مختلف الطاقات في المجتمع لتوفير السوق الحرة للأفكار التي تعتبر مصدر كل الحريات في المجتمع.
فالإعلام الحر والفعال لا ينمو ويزدهر ويتطور إلا في بيئة اقتصادية وسياسية وثقافية حرة تؤمن بحرية الفرد وبالمبادرة الشخصية وبسلطة القانون واستقلالية القضاء.
فالإعلام العربي هو صناعة النظام العربي. وفي ظل النظام السياسي الشمولي فإنه من غير الواقعي والمنطقي أن نطالب بإعلام ديمقراطي وحر. فالديمقراطية لا تتعايش مع الديكتاتورية، وإذا استطعنا أن نصل في الوطن العربي إلى إعلام ديمقراطي حر وفعال فمبروك علينا الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية في كل المجالات.
الصحافي العربي يجد نفسه إذن أمام إشكالية معقدة، إشكالية الالتزام المهني وقيود السلطة. فمن الصعب عليه أن يوفق بين الاثنين. فقيود السلطة لا تؤمن بالمهنية والحرفية والقيم الأخلاقية وإنما تؤمن بمبدأ واحد ولغة واحدة هي إرضاء السلطة بإنتاج خطاب إعلامي ومخرجات إعلامية تتناغم مع أيديولوجيتها وأعمالها وأفعالها وكل ما تقوم به، سواء كان ذلك على صواب أو على خطأ، أو يصب في مصلحة حفنة من الأفراد أو في مصلحة الأمة بأسرها.
الأمر إذن يتعلق بآلة إعلامية شغلها الشاغل هو إرضاء الحاكم وعدم الخروج عن طاعته وفق معايير وآليات البعض منها ظاهر والبعض الآخر يعشش في نفسية وذهنية معظم الصحافيين الذين أصبحوا يمارسون الرقابة الذاتية على أنفسهم بطريقة آلية وأوتوماتيكية.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة