في الكثير من الأحيان، لا يدرك الإنسان أنه يمتلك ثروة هائلة، إلا أنه لا يرى ما تحت أقدامه، ويكون نظره قد استرسل إلى البعيد، البعيد جداً عن إدراكه الحسي، وهو بذلك يضيع فرصة العمر، تلك الفرصة التي ربما يبحث عنها طويلاً إذا لم يقتنصها في اللحظة المناسبة،

قد تكون هنالك عوامل عديدة تحول دون الإدراك والوعي، بأن الزمن يتغير ويظل هو أو مجموعة من البشر ممن ينتمون له يعيشون في الأحلام الوردية، والقيم التي أصبحت هماً فوق الهموم اليومية، فلا هو معايش للواقع الحالي، ولا هو مدرك ان القطار يسير بسرعة البرق، وأن الحياة لا ترحم من لا يركب القطار الجديد، ذاك الذي يقدر فيه من يعمل بجهد، بعد أن ولى زمن الامتيازات دون عودة وإلى الأبد.

ولست أدري لماذا تذكرت في هذه اللحظة، أعداد العاطلين عن العمل أو أولئك الذين لا يزالون يحلمون بمناصب إدارية عليا، ولم يدركوا أن ذلك الزمن قد ولى ولن يعود من جديد، وأن المناصب الإدارية العليا وما دونها باتت تتطلب جهوداً جبارة وعملاً شاقاً، لم يعد عدد الخريجين كما كان قبل ثلاثة عقود،

حين ذاك كان الحاصل على الشهادة الجامعية، طفلاً مدللاً، الجميع يطلب وده، ويرجوه أن يقبل بأن يكون رئيساً مدللاً في المؤسسة أو الوزارة... كان ذلك هو البداية لخلق الوهم، وفي الوقت نفسه بداية مسيرة العزوف عن العمل المنتج، والمبدع، صحيح ان الدولة الاتحادية في بدايتها الأولى، كانت بحاجة لكل المتعلمين من أبناء الوطن، سواء من المواطنين أو من الأخوة العرب،

إلا أنه بعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود من الزمان، وفي ظل تزايد أعداد حاملي المؤهلات الجامعية سواء من الإمارات أو من الخارج اختلفت الصورة الآن عما كانت عليه من قبل، حيث كانت فرص العمل كثيرة، وكان الطلب أكثر من العرض، فلم تكن هنالك عوامل اجتماعية تحول دون الحصول على العمل، فالكل كانت لديه فرصته للحصول على العمل، وربما كان أصحاب الكفاءات يعملون لدى أكثر من جهة،

لم تكن للعوامل السياسية والاجتماعية أثر في عملية المفاضلة، إلا أن العجلة والتطور ومجانية التعليم، قد زادت من أعداد الخريجين والمتعلمين، وإذا أضفنا إلى ذلك، عدم الوعي في البداية بحاجات سوق العمل وبالاختصاصات التي تتطلبها السوق، مما خلق فائضاً كبيراً من الاختصاصات التي لا تحتاجها سوق العمل، وهنا بدأت مشكلة العاطلين عن العمل.

ولعل المنظومة القيمية السائدة، والتي ترى أن الانخراط في بعض المهن أمر لا يليق بالمواطن، الذي يفضل أن يبقى عاطلاً عن العمل ردحاً من الزمن، على الانخراط في تلك المهن، مثل العمل في مجال صيد الأسماك، إن العمل في صيد الأسماك، أو تجارة الأسماك تقوم عليها دول مثل الدول الاسكندنافية، حيث إن العائدات المالية من تجارة الأسماك تعادل مدخول النفط،

إن المواد الغذائية الاستهلاكية مثل السمك أو الزراعة، عائداتها أعلى من عائدات النفط، وتقدر العائدات المالية لتلك النشاطات الاقتصادية بالمليارات، وهذا ما الذي أدركته تلك الشعوب القادمة من شرق آسيا، فهي التي تتحكم بأسواق تجارة الأسماك والمواد الغذائية، وهي بلا أدنى شك تحقق أرباحاً بالملايين من الدراهم أو ربما من الدولارات الأميركية.

إلى متى تظل النظرة الدونية لهذه المهن؟، وإلى متى يظل الإنسان في أغنى بقعة من العالم لا يحترم المهن التي تدر عليه الملايين إن لم تكن المليارات من الدولارات؟، إن على المؤسسات المحلية والاتحادية أن تعطي أهمية وطنية واقتصادية لانخراط أبناء البحر في نشاطات ذات بعد استراتيجي في النشاطات الاقتصادية، فلم يعد الإعمار ومشاريع البناء وحدها هي التي تبني الاقتصاد الوطني.

إن انخراط الشباب العاطل عن العمل في مشاريع الإنتاج بحاجة إلى مساندة مشروع سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشباب. ومتى نرى مشروعات أخرى مماثلة تحمي أبناء هذا الوطن من شرور البطالة؟ ومتى يأتي الزمن الذي يكون فيه لتلك القوى البشرية دور في إنعاش الاقتصاد الوطني؟ ومتى تزول عن صفحات الجرائد أزمة العاطلين عن العمل، وتنتهي "أسطورة عذاري"، تلك التي تسقي البعيد وتنسى القريب.

إن هذا لن يتم بقرار إداري، أو بتوجيه عابر، إن هذا يحتاج إلى تغيير المنظومة القيمية حيث ينظر إلى الموظف المتربع على كرسي الوظيفة العامة على أنه المثل الأعلى لكل مواطن، فلم يعد للموظف العمومي هذا البريق في ظل ثبات الأجور وارتفاع تكاليف الحياة،

حتى بت ترى كثيراً من الموظفين غارقين في الديون، في حين ترى أن الذين يعملون في المهن الحرة والقطاع الخاص أبعد ما يكونون عن تلك الأزمات الخانقة، فهم جزء من السوق يرفعون أسعارهم مع ارتفاعه وبالتالي يظلون بعيدين عن الأزمة.

إنك ترى الأمر مختلفاً عندما تتحدث إلى أحد المواطنين الذين تركوا العمل لدى الحكومة والمناصب الرفيعة واتجهوا إلى العمل الخاص. إنهم يحدثونك عن نجاحات لا تكاد تحصى، إن مواطن الإمارات وبخاصة شباب الإمارات بحاجة إلى نظرة جديدة للحياة والعمل.

فقيمة العمل لا تختلف من مهنة لأخرى فجميع المهن يحتاجها المجتمع وتحظى باحترامه، المهم أن نعمل وأن نبدع في المهن التي نعمل بها سواء كانت هذه المهنة فكرية أم كتابية أم يدوية.

إن هذه المهمة هي أساس من أساسيات القيادات الشابة في إمارات المرحلة الجديدة، وهي مرحلة الجيل الثاني من القيادات الاقتصادية في الإمارات، وهي مرحلة ما بعد الانطلاقة، ومرحلة التحدي لترسيخ وتمكين الإنسان من الاستمرار في العطاء.

إن التحرر من البطالة لا يمكن أن يتم إلا إذا أخذت هذه القيادات الشابة على عاتقها الإمساك بأيدي الشباب والتوجه بهم إلى ميادين العمل المختلفة، وكم سيكون ذلك اليوم مشرقاً عندما تنظر إلى المجتمع وترى المواطنين فيه يعملون في جميع المهن، يعملون ويتفوقون وهذا هو النجاح الحقيقي. بل إنه الكنز الذي لن يضلوا طريق الوصول إليه.

almutawa_mohammed@hotmail.com

وحدة الدراسات والبحوث - البيان