أثبتت أزمة الضواحي الفرنسية أنه لا فرق بين نيكولا ساركوزي وزير داخلية فرنسا.. الدولة الموصوفة دائما في الميراث الانساني بالمثالية في ضمان حقوق الانسان وبين أي حاكم في دول العالم الثالث في التعامل بعقلية بوليسية مع الهبّات الشعبية على أوضاع البؤس والفقر والتمييز وكل أشكال الظلم الاجتماعي.
فرنسية ساركوزي لم تنقذه من ثقافته الشرقية في وصف المحتمين من أبناء الضواحي الفرنسية »بالحثالة« التي يجب كنسها وكشف عن نظرة عنصرية تتناقض تماما مع بلد تحكمه مبادئ وقيم الحرية والإخاء والمساواة منذ ثورة 1789، البلد الذي يراود ويداعب طيف وخيال الطامحين من أبناء العالم الثالث وكل أنحاء العالم للهجرة اليه طلبا لعيشة كريمة وحياة أفضل في مجتمع النور والعلم والثقافة.
ساركوزي ذكّر بوصف الرئيس المصري الراحل أنور السادات لانتفاضة الخبز في أحداث 18 و 19 يناير 1977 بـ "انتفاضة الحرامية" والتي ثبت بعد ذلك من خلال حيثيات المحكمة التي أفرجت عن المعتقلين في الأحداث وبعض الوزراء الحكوميين في ذلك الوقت بأنها كانت انتفاضة شعبية بسبب ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية والاحساس بالواقع الاجتماعي الجديد الذي بدأ يتشكل عقب سياسة الانفتاح الاقتصادي وأفرز طبقة اجتماعية تستحوذ على معظم الثروة وخلق طبقات عريضة من المهمشين.
ثورة الضواحي أو المناطق الحساسة في فرنسا تبين أن لكل عصر أشكال من الظلم الاجتماعي الخاص وأن شروط هذا الظلم تظل متشابهة رغم فارق السنين وكنا في الماضي نحسب أن أحزمة الفقر تحاصر مدننا العربية خاصة ذات الكثافة السكانية العالية مثل القاهرة فقط والتي غابت عنها الدولة فتحولت الى بؤر للإجرام والانحراف والعنف الديني في ظل تجاهل مزمن أفرز أشكالاً من الظلم الاجتماعي والاقتصادي والتمييز بين أحزمة البؤس والحرمان وقلب المدن المرفهة بأبراجها الفخمة.
فرنسا مجتمع الحرية والإخاء والمساواة تواجه "لحظة الحقيقة" كما قال رئيس الوزراء دومينيك دوفيلبان وما دامت فرنسا تواجه هذه اللحظة فإن أوروبا أيضاً تقف أمام هذه اللحظة لإعادة الاتزان في الاختلال الحاصل في الميزان الاجتماعي والتمييز العنصري ضد هؤلاء الذين ساهموا في بناء
وعمارة مدن فرنسا وأوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية وسد الفجوة الديمقراطية في تلك المجتمعات وجيء بهم قسرا أو طواعية من المستعمرات الأوروبية في الشمال العربي الإفريقي أو من أفريقيا السوداء وعاشوا "سنوات مجيدة" في المجتمعات الأوروبية والفرنسية خاصة تحت لافتات شعارات الثورة الساحرة والبراقة والملهبة للمشاعر الانسانية والمحققة لطموح البشر المقهورين في أوطانهم وتطلع أبنائهم وأحفادهم بعد ذلك الى التمتع بحياة الأجداد،
لكن سنوات التمازج والدمج شابتها أشكال وممارسات من العنصرية مع صدور قوانين الحد من الهجرة ثم التجاهل والحصار في ضواح مهمشة ومعازل فقيرة "رمادية" على حد وصف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران وحلت سيارات الشرطة وإعلان حالة الطوارئ محل مطالب وشعارات المساواة والعدالة الاجتماعية.
ثورة الفقر في ضواحي فرنسا وبعض المدن الأوروبية الأخرى هي تعبير عن اليأس والاحساس بالظلم كما يعترف بذلك عالم الاجتماع الفرنسي مايكل ديفيوركا مدير مركز الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية، وفشلت السياسة الفرنسية في ابتكار استراتيجيات لإحداث تكامل بين أقليات البلاد الفقيرة ولم تندلع الأحداث فقط لمصرع مراهقين صعقا بالكهرباء هربا من مطاردة الشرطة في احدى هذه الضواحي.
فرنسا أمام لحظة الحقيقة وهناك قلق على مجتمع الحرية من عربات الشرطة والطوارئ وتعديات ساركوزي الطامح للرئاسة والذي يريد أن يثبت لمحازبيه اليمينيين أنه قادر على تجاوز المشكلة معتمداً في ذلك على خطاب استفزازي و.... عن طموح شخصي.
وحسنا فعل رئيس الوزراء الشاعر دومينيك دوفيلبان الذي يريد أن يفوت الفرصة على أصوات العنصرية وادراكه أن هناك وجهاً اجتماعياً للأحداث فوعد باتخاذ اجراءات اجتماعية واقتصادية لنزع فتيل بارود نخشى جميعا على فرنسا من انفجاره الكبير..!