غريبة الأمور التي تحدث في العراق ليس على العراقيين فقط بل على جميع المراقبين والعارفين بالعراق ومجريات الأمور فيه قبل وبعد الطوفان الكبير الذي اجتث الكثير مما فيه من رموز واعتبارات سياسية واجتماعية وتاريخية.
ولعل من اغرب الأمور التي قلبت المفاهيم التاريخية المعروفة هو أن يتحول من جاء مع جيوش الاحتلال العسكري الأجنبي ليحكموا البلاد والعباد إلى وطنيين أحرار يتحدثون بكل فخر وإباء عن بطولات تحالفاتهم مع دوائر المخابرات الأجنبية ويصفون الاحتلال الأجنبي لبلادهم بـــ »التحرير« ثم يكون أبناء الوطن ممن يرفضون هذا الاحتلال بكل الوسائل المتاحة إرهابيين يجب أن يقتلّوا ويصلّبوا هم وأبناؤهم وتدّمر البيوت فوق رؤوسهم!
إن كل ما يجري في العراق هو مثال حي بذاته يمكن أن تبنى عليه العديد من الدروس والعبر لمن يريد السلامة لبلاده وشعبه من قادة العالم فيبادر للتصالح مع شعبه وفق رؤى سليمة وآفاق واضحة وعطاء مضمون المكاسب وألا يترك للخونة فرصة لبلوغ ما يرومون خدمة لمصالح من تآمروا معه بحق شعوبهم وبلادهم.
ولعلني اضرب مثالا يواكب أحداث اليوم ويتعلق بأحد الرموز التي جاءت تحت عباءة الاحتلال في العراق ثم تبوأ رأس وزارة سيادية مهمة في الحكومة الانتقالية الحالية.
رجل كان يعمل في اخطر الأجهزة الأمنية العراقية والتي كانت أكثرها رعبا لدى المواطن العراقي حتى وإن كان من الموالين بقوة للنظام ، إنها بالطبع مديرية الأمن العامة التي كانت في تماس مباشر مع جميع الحركات المعارضة والتنظيمات السياسية والفكرية مختلفة الولاءات وكذلك الإصدارات والصحف والمنشورات والكثير من المسؤوليات التي تضمن سلامة الأمن العام في العراق والنظام السياسي الحاكم فيه.
وخلال فترة حكم حزب البعث في العراق (1968- 2003) حققت هذه المديرية انجازات أمنية كثيرة كان أبرزها لا بل أهمها من حيث التوقيت والخطورة رصد وتحديد ثم تصفية عناصر حزب الدعوة (شيعي) والذي كان يتلقى دعما من دولة جارة للعراق ويشكل تهديدا حقيقيا لأمن النظام السياسي في البلاد.
وقد كان الرجل الذي نتحدث عنه مسؤولا عن ملف حزب الدعوة في مديرية الأمن العامة وكان يعرف كل صغيرة وكبيرة عن ملفات المعتقلين داخل سجون هذه الدائرة ثم نهايات الذين يتم توثيق اعترافاتهم ويحالون إلى المحاكم أو الذين يقضون تحت التعذيب..
كان يعرف كل هذا عن حزب الدعوة وكان مستمرا في خدمته في هذه الدائرة حتى جاء وقت خروجه إلى خارج العراق بعد أن أيقن كما أيقن غيره من المرتبطين بمصالحهم الشخصية في الولاء لا بالمصالح الوطنية أن النظام في العراق آيل إلى السقوط وأن أميركا عازمة على ذلك لا محالة خاصة بعد حرب الكويت عام 1991.
اختفى الرجل ولم يظهر له صوت حتى بعد أن سقط النظام وسقطت معه كل الدوائر والتشكيلات المرتبطة بالهيكلة الأمنية والعسكرية العراقية حتى أني التقيته في إحدى المؤتمرات التي عقدت عن العراق مطلع العام الحالي ولم يكن سوى احد الباحثين الذين قدموا بحوثهم للمؤتمر والذي لم يشكل حضوره علامة فارقة للمؤتمر بالطبع.
وبعد تشكيل الحكومة أعلن عن تسلمه مهام إحدى الوزارات المهمة فشهدت مناطق عديدة من العراق عمليات عسكرية كبيرة دمرت فيها مدن واستبيحت فيها حرمات ومع ذلك ظلت الأمور السياسية تجري لصالح تجاوز هذه العمليات إلى ما هو أهم وأجدى.
لم يرق الأمر للرجل على ما يبدو فأطلق تهديده الشهير بعمليات عسكرية تهدم فيها البيوت على رؤوس أصحابها ، ثم ما لبث أن فعل فشهدت مناطق غرب العراق عمليات عسكرية كبيرة جدا دمرت فيها مدن القائم وحصيبة وربما غيرها لاحقا دون أدنى إحساس بالخجل من فعل مكشوف لأمر معلوم يريده هذا الرجل خدمة لمخططات غيره سواء تعلق الأمر بالعراق أم بجيرانه.
هكذا هو العراق اليوم وهؤلاء من يقومون بمصالحه ومصالح شعبه رحلة تمتد من أمن صدام ونظامه إلى دفاع الجعفري وحكومته وعند الجد لن تجد لأي منهما سبيلا.
Alkhattab26@hotmail.com