التفجيرات الإرهابية الثلاثة التي هزت عمان، ليلة أول من أمس، تحمل أكثر من رسالة ومدلول، فهي تأتي للتبليغ، مرة أخرى، بأن الإرهاب الدموي العنيف والأعمى بات قادراً على التجول في المنطقة، يختار الحلقات الرخوة والتوقيت ويعتمد على عنصر المباغتة.
ثم إن أصحابه قد نجحوا، إلى حدّ بعيد، في ترسيخ »الثقافة الانتحارية«، التي راحت تستولد »الانتحاريين« الأمر الذي أدّى إلى إيجاد حالة من الارتباك، بل حالة من التخوف المشروع بأن المنطقة مقبلة على الدخول، إن لم تكن قد دخلت فعلاً، في نفق من النزف الذاتي باهظ الثمن، بشرياً وسياسياً ووطنياً وقومياً.
والخطر القاتل هنا مزدوج: فمن جهة يبدو أن قطع دابر الإرهاب أمنياً وبصورة نهائية، أمر صعب التحقق، طالما أن هناك في الساحة من اختار الموت طوعاً. فالاحتياطات والاستعدادات الأمنية في هذه الحالة تصبح قاصرة على الردع والمنع.
ومن جهة ثانية أن المنطقة بقدر ما تغرق في دوامة نهش لحمها بأسنانها، بقدر ما يكون غرقها هذا خدمة مجانية للخطط الجهنمية التي تعدّها القوى المتربصة بالمنطقة والعازمة على إعادة تفصيلها على قياسات مصالحها مع إسرائيل.
ان الاستباحة المفتوحة التي تتعرض لها المنطقة، والتي كانت ذروتها في احتلال العراق، ساهمت بدرجة كبيرة في تكوين البيئة والأرضية الخصبة لرواج ونمو الإرهاب، فتحت لافتة »محاربة الإرهاب«، أوجدت البؤرة الممتازة لتزخيم صناعة الموت بالجملة، الرائجة هذه الأيام ومنذ فترة، في أرض الرافدين وبوتيرة كارثية تهدد ليس نسيج البلد فقط، بل حتى مصيره ووجوده، وها هي أخذت تفيض عن الاناء العراقي لتغزو الجوار وتزرع الرعب والمآسي.
وما يعزز المخاوف أن المنطقة يزداد انكشافها وتتسع دائرة الانفلات فوقها، في ظل وضع عربي متفكك لا يقوى حتى على الاتفاق بشأن عقد لقاءات أو اجتماعات، ناهيك بمؤتمرات قمة، على الأقل للبحث في ما يمكن عمله لاستدراك التدهور والتردي، قبل فوات الأوان،
وقبل أن تتحول المنطقة، في غالبيتها إن لم تكن كلها، إلى ساحة صراعات أهلية، لا أفق لها ولا نهاية، وأول المطلوب في هذه اللحظة هو القيام، في أقله، بحملة مضادة لتجفيف منابع الإرهاب، ولو على المدى غير القريب ذلك ان الحلول الأمنية وحدها تبقى عاجزة عن تأدية المهمة.
ثم لابد من التحرك السريع لتجفيف البؤر والأوضاع التي تساعد على الترويج للإرهاب، ناهيك عن وجوب قطع الطريق على تحول ساحات مستهدفة حالياً إلى محطات ضخ لتزخيم ثقافة الإرهاب والمنطقة في سباق مع الزمن.