لا أحد ينكر أن النظام السوري محشور في وضع لا يحسد عليه وبخاصة في ضوء القرار الدولي رقم 1636 الذي تراهن الإدارة الأميركية على كونه مدخلا إلى قرار آخر يشرع العمل العسكري للإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد،
ولكن هذا المأزق هو في حقيقة الأمر مأزق سياسي وعسكري في آن لواشنطن التي تزداد غرقا في المستنقع العراقي، فكيف إذا وزعت جنودها على الرقعة الممتدة من الساحل الشمالي للخليج العربي وحتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
إن الضغوط التي تفرض على سوريا تحت ذريعة علاقتها بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري مجرد ورقة ضمن أوراق مشروع يعود إلى منتصف الثمانينات،
ثم خبا خلال حكم الرئيس بيل كلينتون وعهد جورج بوش الأب الذي كان بحاجة إلى الورقة السورية في مواجهة حكم صدام حسين، ليعود إلى زخمه مع وصول جورج بوش الابن والطاقم اليميني المتطرف إلى البيت الأبيض والذي بدأ حكمه بحملة لتغيير أنظمة الحكم في العراق وسوريا وليبيا، فمن استعصى خلع ومن تجاوب سلم وغض الطرف عنه إلى حين.
ما يضمره بوش وصقوره لسوريا، وللمنطقة من بعد، لا يحمل خيرا. ولكن أول من سيكتوي بناره هم الجنود الأميركيون الذين زج بهم في حرب أو حروب لن تنتهي قبل مطلع العام 2009، فالقتلى الذين دخلت أعدادهم الألف الثالث سيتضاعف عددهم عندما تشرع أبواب الهلال الخصيب على مصراعيها.
إن ما يجري اليوم وضعت سيناريوهاته منذ منتصف التسعينات أي قبل تدشين الحرب على الإرهاب، وقبل ولادة البرنامج النووي الإيراني، وأيضا قبل أن تحدث الفرقة بين الحريري والنظام الحليف في دمشق بسنوات طوال.
إن هذا السيناريو الذي ينفذ اليوم هو خارج نطاق الحرب على الإرهاب، وهو بالتحديد ترجمة لتوصيات قدمت في العام 1996 لبنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه من قبل المفكرين السياسيين الأميركيين دوغلاس فيث وريتشارد بيرل.
ان ما يجري راهناً محاولة لفرض أجندة على سوريا وعلى رئيسها بشار الأسد لإبداء تعاون أكبر في استمرار الاحتلال الأميركي في العراق، كما هو مطلوب من القيادة الفلسطينية ضمان أمن إسرائيل ولكن الأهواء الأميركية تصطدم بعدد من العراقيل، أبرزها عدم توفر بديل لنظام الحكم الحالي في سوريا،
كما ان الضغط غير المحسوب قد يؤدي إلى تطور في غير صالح الإدارة الأميركية التي فوجئت بانهيار نظام صدام حسين في غضون ثلاثة أسابيع ولا تزال بعد مضي سنتين ونصف تحاول إعادة الهدوء. وهكذا فإن فقدان السيطرة على الوضع في سوريا سيلفح إسرائيل والتي ستدرك حينها ان رب نافعة ضارة.
وإلى جانب كل هذا فالوضع الداخلي الأميركي لا يعطي بوش فرصة لجر آلاف الجنود في مغامرة عسكرية جديدة بعدما نزعت التطورات المتلاحقة ثوب الشرعية عن مبرراته للحرب على العراق.
وعليه فإدارة بوش إنما ترجو من وراء هذا الضغط التوصل إلى اتفاق مع سوريا يمكنها من تحسين وضعها في العراق، وتسرع خط الإصلاح السياسي الداخلي في سوريا لتغيير »لغتها الدولية« وتالياً موقفها السياسي تجاه »عملية السلام« .. وهو بيت القصيد.
NIDAL@ALBAYAN.AE