أجزم أن أغلب فضائيات الـ »غناء«، هذا إذا صحت التسمية، تبارك نشاطها وانتشارها إرادة خارجية تتقاطع مصالحها السياسية مع المصالح التجارية لأصحاب هذه القنوات. ورغم أني كنت انظر إلى المؤمنين بنظرية »المؤامرة« وهم من يلقون بأسباب متاعبنا، وهي كثيرة، على الغرب..

لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، أنهم لا يعيشون عصرهم وغير قادرين على استيعاب متغيراته، إلا أن من يتفحص، وعن كثب، طبيعة برامج هذه الفضائيات وتأثيرها المدمر على جمهور المتابع لها ـــ وجلهم من الشباب ـــ لا يسعه إلا أن ينظر بعين الشك في نوايا من يقف وراء هذه الفضائيات. وهذا مبعث حيرتي!

لا شك أننا نتطلع إلى حضارة الغرب والنموذج الأميركي على وجه الخصوص في الممارسة الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان، ولكن ليس النموذج الذي تمثله الإدارة الأميركية الحالية وتحاول فرضه قسراً..

لا سيما أن هذه الإدارة فقدت مصداقيتها مع غالبية شعبها قبل الآخرين: (أشارت استطلاعات الآراء الأخيرة إلى تراجع شعبية الرئيس بوش إلى ادنى مستوياتها منذ انتخابه عام 2000 حيث بلغت اقل من 35 في المئة)!

حديثي عن الفضائيات سـيقتصر على الخاصة منها: الترفيهية والإخبارية، فغني عن القول أن قنوات التلفزة الحكومية لم تعد قادرة على مجاراة الفضائيات الخاصة لاعتبارات كثيرة، واعتقد أن عدداً كبيراً منها فقد صلته بالمشاهد من زمن بعيد.

فَقْد الإعلام الرسمي مكانته افقد مقص الرقيب هيبته، وهو الذي كان حتى بالأمس القريب يمارس عمله على نحو لا يختلف كثيراً عن ما يقوم به المخبرون السريون! ولا يتورع حملة المقص عن العبث بالمواد المعروضة عليهم اعتمادا على اجتهادات شخصية »محدودة الأفق« تغلب عليها مصلحة الوظيفة »كلما كان المقص حادا كلما سهل الطريق إلى قلب المدير« ومن دون الاعتماد على لوائح أو ضوابط تنظم كيف ومتى يتدخل الرقيب.

وبين ليلة وضحاها اختفت عادة »فلترة« المعلومات والتشويش على البث اللاسلكي وصبغ المكشوف أسفل رقاب الحسناوات بـ »الأسود« ونزع صفحات المجلات والكتب التي تتجاوز الـ »الخطوط الحمر« وتدخل في منطقة المحرمات..

سواء كانت أخلاقية أم سياسية، وأصبحت هذه المؤسسات نفسها وبنفس الوجوه ـــ تلك التي كانت تحرم وتجرم باسم الدين حينا وباسم الأخلاق حينا آخر ــ تدعو إلى »الاعتدال« أو »الوسطية« حتى في ثوابتنا الدينية والقومية،

وأصبحت الاملاءات الخارجية هي التي ترسم لها.. لنا الخطوط العريضة ـــ التي يمكن أن تضيق إلى أقصى حد إذا استدعت الضرورة ـــ لنوع التعليم الذي يحتاجه أبناؤنا، والإعلام الذي يصلح لمجتمعاتنا، والثقافة المناسبة لنا.. وكل ذلك باسم محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه.

ولعل أبشع صور هذه المواءمة، أو قل الرضوخ لإرادة الغير، إذا أردنا فعلاً تسمية الأشياء بأسمائها، ظهور الفضائيات الغنائية، ورواج النموذج الـ »عجرمي« للطرب العربي الجديد في إطار جهد منظَّم لتغييب عقول وقلوب الشباب بعد أن فشلت المبادرات العديدة لكسبه.

الكارثي في الأمر أن نجاح ما فشلت آلة الإعلام والرافعة الاقتصادية الأميركية في تحقيقه لم يأت على يد الصهاينة كما جرت العادة، وإنما تكفلت به رؤوس المال العربي عبر الفضائيات.

هؤلاء للأسف الشديد يسعون للكسب المادي السريع حتى ولو كان الثمن باهظا، وهم يدركون جيدا أنهم ومن خلال »فضائياتهم« يشاركون وبأشد أنواع الأسلحة فتكاَ في تحقيق ما لم تحققه مبادرات كثيرة مشبوهة لكسب عقول وقلوب العرب والمسلمين.. لعل أشهرها »الشراكة الأميركية الشرق أوسطية« تلك التي كانت تستهدف المواطن العربي لنيل وده.

هذه المبادرة وغيرها من برامج ووسائل إعلامية موجهة لمخاطبة الإنسان العربي والمسلم، ورغم نوايا الجهة التي تقف وراءها ووضوح أهدافها إلا أنها لم تنسق وراء إثارة الغرائز كوسيلة بديلة حين تبين لها أنها منيت بالفشل في تحقيق أهدافها، وإنما تركت المهمة لـ »أهل الدار«.

إذن هل يمكن القول ان أصحاب بعض الفضائيات الغنائية على دراية تامة أن ما تقوم به محطاتهم هو كسب غرائز الشباب وتسطيح أفكارهم وتخديرهم بمادة اسمها »المذيعة التي تكشف أكثر مما تستر« والغناء الذي أصبح كلمة »هابط« ناقصة في حقه؟! وهل يعلم هؤلاء أنهم بذلك يلعبون دورا أكثر خطورة وإجراماً بحق أبنائهم ودينهم وعروبتهم؟!

من المؤكد أني لم أتجن على أحد، إلا إذا كان هناك من يستطيع أن يبرر سلوك المذيعات اللواتي يتناوبن على إغراء الشباب وإغوائهم بالابتذال في المظهر والحديث والإيحاء: الشباب الذين أصبح وضعهم لا يختلف كثيراً عن مدمني المخدرات، الذين يمضون ساعات طوال أمام شاشات التلفزيون،

وأصابعهم تطبع تلقائيا على أزرار الـ »موبايل« رسائل فيها »ما يخدش الحياء كثير« تظهر مباشرة على الشاشة.. موجهة إلى كاتبات رسائل يعتقدون أنهن فتيات حقيقيات من لحم ودم، يجلسن مثلهم أمام شاشة التلفزيون في أماكن أخرى من العالم،

في حين أن أغلبها تُكْتَب داخل أستوديو المحطة نفسها، وتصاغ وفق ما يشتهيه كل متابع على حدة بحيث يتوهم الفتى أن هناك فعلاً فتاة تبادله عبارات الغزل، وخلال ذلك كله يدور عداد تسجيل تكاليف الرسائل الهاتفية وتحقق المحطة الربح المادي الذي تسعى إليه بغض النظر عن الوسيلة وتخدم في الوقت نفسه تلك الجهات التي فشلت في كسب عقول الشباب العربي وقلبه!

أما محطات الأخبار العربية، فهي تعاني الكثير رغم محاولاتها المستميتة لمسك العصا من الوسط. فبينما تقف بعض الأنظمة العربية موقف المتفرج أو قل »موقف من لا حيلة له« تجاه ما تقدمه الفضائيات الغنائية وما شابهها من وسائل إعلامية، تواجه المحطات العربية الإخبارية الجادة متاعب لا حصر لها من قبل هذه الأنظمة نفسها: بين منع مراسليها من تغطية الأخبار واعتقال بعضهم وإغلاق مكاتبها.

ومع أن بعضها فضل السباحة مع التيار خوفا من أن تجد نفسها على قائمة المنظمات الإرهابية وبالتالي خارج الفضاء الذي تديره وتتحكم بمصيره أميركا، إلا أن ذلك لم يشفع لها، وظلت مطالبة ببذل المزيد من الجهد لتلميع صورة الدولة العظمى وإقناع المشاهد العربي أن احتلال أميركا للعراق ومن قبله أفغانستان، والتأييد اللا محدود لإسرائيل،

وتشريع تدخلها في شؤون دول المنطقة وتفاصيل حياتها اليومية سيجلب الخير الوفير للمنطقة وللشعوب على وجه الخصوص. فقد رأينا مؤخرا كيف تقطع هذه المحطات برامجها مهما كانت أهميتها وتهرول نحو الغرب بمجرد ظهور اصغر ناطق صحافي في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية للحديث إلى وسائل الإعلام.

إننا نتعرض لحملة »إفساد أخلاق« بشعة، ورغم ذلك نَسَلِّم نحن شعوباً قبل أنظمة بالأمر الواقع، وندفن رؤوسنا في التراب خوفاً من العصا الغليظة، ونعيد التفكير ألف مرة قبل قول كلمة »حق«.. تجنبا لإثارة غضب أصحاب القرار في أميركا أولئك الذين لا يؤمنون بحرية رأي الآخر إذا كان هذا الآخر ليس منهم وكان رأيه لا يتفق مع ميولهم.. سياسيون ينتهجون سياسة أحادية النظر لا تعرف من الألوان غير الأبيض والأسود و»من ليس معنا فهو ضدنا«.

كاتب عماني