فقد المجتمع الأميركي والعالم في الفترة الأخيرة من سميت بأم حركة الحقوق المدنية الأميركية روزا باركس. تلك المرأة المناضلة التي أسست وشكلت وعي ملايين من الشباب في مرحلة التمييز العنصري، والتي عندما كبرت وهرمت ظلت تشكل لملايين أخرى نموذجاً للالتزام المجتمعي والأخلاقي بالقضايا الإنسانية المختلفة.
أذاعت غالبية وسائل الإعلام العالمية خبر موت باركس؛ وغالبيتها ذكرت وعرفت باركس بأنها المرأة التي رفضت التنازل عن كرسيها في حافلة المواصلات العامة لرجل من »أسيادها«، في مرحلة تاريخية كانت السيادة فيها محصورة في العرق الأبيض، وكيف أن سلوكها هذا أدى إلى إضراب مونتجمري المعروف في التاريخ الأميركي، والذي بسببه حدثت تغييرات مجتمعية رئيسية أحدثت تحولاً كبيراً في قوانين الحقوق المدنية الأميركية.
غالبية وسائل الإعلام عند إذاعتها لخبر موت باركس ركزت على حادثة مخالفتها لقوانين التمييز العنصري وجلوسها في حافلة النقل العام في الأماكن المخصصة للبيض، ونسيت أو تجاهلت ذكر أي شيء متعلق بتاريخ باركس النضالي كامرأه »سوداء« في مجتمع كان لا يحترم غير اللون الأبيض،
أو بخلفيتها الثقافية والسياسية التي دفعتها لتأخذ مثل هذا الموقف، مما بدا للمشاهد وكأن الفعل الذي قامت به باركس كان فعلا وليد الصدفة، أو وليد لحظته وغير مرتبط أو دي علاقة بوعي أو تجربة هذه المرأة النضالية.
أظهر الكثير من وسائل الإعلام روزا باركس وكأنها امرأة عادية، بريئة من أية ارتباطات سياسية أو مجتمعية، وكأن رفضها للانصياع للقوانين العنصرية شيء حدث بالصدفة، شيء قررت باركس القيام به في تلك اللحظة وبدون أي تفكير أو تدبير أو وعي بالوضع السياسي والاجتماعي،
مما أدى إلي تجريد وعزل إضراب مونتجمرى من سياقه التاريخي والاجتماعي، والى عزل باركس نفسها عن خلفيتها السياسية والاجتماعية التي شكلت وعيها النضالي. لم يتطرق الخبر الإعلامي عن موت باركس إلى خلفيتها المهنية، التعليمية، والسياسية حتى انه بدا للمشاهد العادي البعيد، أو غير المطلع على حركة الحقوق المدنية الأميركية أن سلوك باركس في حافلة المواصلات فعل عشوائي غير منظم ووليد لحظته ولكنه كان ناجحاً وأحدث التغيير المطلوب.
لم تذكر غالبية الوسائل الإعلامية أنه قبل أن ترفض باركس التنازل عن كرسيها لرجل أبيض كانت عضوة نشطة وفاعلة في حركة الدفاع عن الحقوق المدنية والتمييز العنصري لمدة اثنى عشر عاماً حيث كانت تعمل كسكرتيرة.
وفي الصيف الذي سبق احتجازها، بعد حادثة الحافلة، كانت قد أنهت برنامجاً تدريبياً في مدرسة تينسي لتنظيم العمل والحقوق المدنية، حيث التقت واحتكت بالرعيل الأول من الناشطين في مجال الحقوق المدنية أمثال سبتيما كلارك وغيرها.
لم تذكر وسائل الإعلام أن خلفية هذه المرأة المهنية والتعليمية هي التي شكلت لها القاعدة المعرفية الجيدة بقوانين الفصل العنصري والتحديات التي تواجهه، وهي التي في الوقت نفسه أهلتها للمقاومة والنضال.
لم تذكر وسائل الإعلام أن روزا باركس كانت جزءاً من حركة مجتمعية لها تاريخها النضالي الطويل ضد التمييز العنصري، وبأن محاولات نضالية وأحداثاً ومحاولات إضرابيه كثيرة حدثت قبل إضراب مونتجمرى وكانت كلها موجهة ضد التمييز العنصري؛ وكلها مجتمعة شكلت الأساس للمحاولات الإضرابيه التي تلتها.
إذن، أن قرار باركس بعدم التخلي عن كرسيها لم يكن وليد اللحظة كما حاولت وسائل الإعلام إبرازه، ولم تبتدئ باركس حركة الحقوق المدنية وحيدة وبمجهودها الشخصي فقط، ولكنها كانت جزءاً من حركة موجودة في الأصل، حركة تأسست في زمن كانت محاولة أحداث أي تغيير يذكر فيما يتعلق بحقوق الملونين شيء يكاد يكون مستحيل.
هذا بالإضافة إلي أن التغييرات القانونية والمجتمعية التي حدثت بعد إضراب مونتجمري لم تكن نتيجة موقف باركس في حافلة المواصلات العامة، ولكنه كان نتيجة مجهودات ومحاولات نضالية متراكمة، وكان موقف باركس في ذلك اليوم بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
لذا فإن قرار باركس بعدم ترك كرسيها لم يأت من فراغ ولم يكن مصادفة، ولكنه كان قراراً مخططاً له مسبقا، كان وليد تجربة وتدريب، وليد معاناة وتضحيات، ووليد تفاعل واحتكاك بمناضلين وناشطين مؤسسين لحركة مناهضة التمييز العنصري وحركات حقوق الإنسان، ومؤمنين بقيم الحق والكرامة والعدالة الإنسانية من أمثال إ.د. نيكسون، فيليب راندولف والمدرسة جوانا روبنسون.
إن القراءة الإعلامية لحياة روزا باركس كانت قراءة مغلوطة. قراءة حاولت، بوعي أو بدون وعي، إحداث فجوة في الذاكرة الجمعية تعمل على إضعاف حضور مثل هذه الشخصيات في الأذهان، وعلى تهميش قيم إنسانية جميلة حملها ودافع عنها أمثال روزا، قيم قد تعمل كمحفز لهمم وآمال ووعي كثير من البشر في زمن يرى فيه الإنسان الخطأ بأم عينه ولا يسعى لإيقافه وتغييره حتى بكلمة حق.
ان حياة روزا باركس أو غيرها من نساء العالم ـــ ومنهن على سبيل المثال لا الحصر الجزائرية جميله أبو حيرد ــ اللائي ضحين بالكثير من أجل أهداف مجتمعية نبيلة ومن أجل خلق مجتمعات أكثر أمنا، وعدلا، واستقرارا جديرة بالاهتمام وبالقراءة الموضوعية،
فلعل مثل هذه القراءات قد تسهم في تغذية ما تبقى من غرس صالح في أرض أصبحت تزخر بأعشاب ضاره قاتلة لكل ما هو مفيد من حولها ومدمرة للتربة. فالناظر اليوم، ليس على المستوى المجتمعي العام ولكن على المستوى المؤسسي الأصغر، سيجد كثيرا من الشياطين الخرس الساكتين عن الحق، الذين يرون الباطل والظلم بأم أعينهم ويلمسونه بأيديهم لكنهم يغضون أبصارهم بحجة الخوف على الرزق أو عدم الرغبة في »وجع الرأس« أو المشاكل.
شياطين خرس يرون قيماً وتقاليد إنسانية ومؤسسية راقية تُحل أمام أعينهم، وتستبدل بدون أن يحركوا ساكناً. لم تخف روزا ولا جميلة على مصلحتهما ولا على ما هو أغلى من ذلك، حياتهما، ولم تسع أي منهن لتحقيق أهداف شخصية آنية، بل كان ما يقودهما للحركة هو أهداف مجتمعية إنسانية بحته. فأين نحن من هؤلاء؟ والى متى سيظل عدد الشياطين الخرس في ازدياد؟