لم يمثل ما حدث في فرنسا منذ السابع والعشرين من أكتوبر الماضي وحتى الآن مفاجأة كبيرة بالنسبة لي. فالمتابع لتقارير الهيئات والمنظمات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان سوف يكتشف العديد من الانتهاكات المستمرة لأوضاع الأقليات، ليس فقط في فرنسا وحدها ولكن أيضا في عموم القارة الأوروبية؛ ففي عام 2002 كانت ما نسبته 62% من اجمالي الهجمات العنصرية موجهة ضد المسلمين في فرنسا.

والمشكلة لا تكمن فقط في ممارسات الجماعات اليمينية المتطرفة في العديد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، والتي توجه عدوانها المادي المباشر نحو الأقليات، لكنها تتعدى ذلك إلى الممارسات العنصرية اليومية الموجهة ضد الأقليات والمهاجرين في أوروبا من قبل المواطنين العاديين.

وإذا كانت بعض الحكومات الأوروبية قد أخذت اجراءات عملية وفورية ضد الممارسات العنصرية المادية الإرهابية الواضحة، نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، ما قامت به جماعات اليمين المتطرف الألمانية من حرق متعمد لمنازل الأتراك المقيمين في ألمانيا، فإن هذه الحكومات لم تتعامل بشكل جدي وحقيقي مع الممارسات العنصرية اليومية التي يمارسها المواطنون ضد الأقليات المختلفة وضد المهاجرين.

يعيش في فرنسا اليوم ما يقارب الخمسة ملايين مسلم، حيث يمثل الإسلام الديانة الثانية في فرنسا، ومعظم هؤلاء المسلمين ينتمون إلى شمال افريقيا، بشكل أساسي: المغرب والجزائر وتونس، يضاف إليهم المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء.

وحتى تتضح الصورة أكثر علينا أن نشير هنا إلى أن معظم هؤلاء المسلمين هم من الجيل الثالث للمهاجرين الأوائل الذين استعانت بهم فرنسا في الستينات من أجل القيام بالأعمال التي يأنف الفرنسيون القيام بها. ورغم أن الأبناء الحاليين يعون انتماءاتهم وهوياتهم المغاربية والعربية والإسلامية،

فإنهم لا يعرفون مكاناً آخر لهم سوى فرنسا. وهم يعانون مشكلة هوية تتضخم بمرور الوقت، بين انتماءاتهم الأولى، التي ربما لا يرغبونها، وبين انتماءاتهم الحالية، التي ربما لا ترغبهم. وبين هذه وتلك تتضخم مشاعر الإحباط في ظل الممارسات العنصرية اليومية الموجهة ضدهم بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة وربما الرابعة.

يواجه هؤلاء المهاجرون مستويات ضخمة من الممارسات العنصرية على جميع مستويات وقطاعات الحياة في فرنسا. وخطورة هذه الممارسات العنصرية أنها تدين الضحية وتغفل عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت الضحايا إلى ما يكابدونه من ظلم واستغلال. يعيش هؤلاء المهاجرون في كانتونات معزولة في الأحياء الفقيرة المحيطة بباريس، في منازل تتكدس فيها العائلات بشكل مزر وغير إنساني،

وفي ظل خدمات تعليمية وصحية متدهورة. وحتى إذا ما حصل هؤلاء المهاجرون على شهاداتهم التعليمية، فما الفائدة التي سوف يحصلون عليها في ظل نظام عنصري يقصر الحصول على الوظائف الجيدة لذوي البشرة البيضاء من الفرنسيين.

وتشير الاحصائيات إلى ارتفاع نسبة البطالة بين أبناء المهاجرين من العرب والأفارقة إلى ما يزيد مرتين ونصف على النسبة بين الفرنسيين البيض. بالطبع لا تنتج هذه البيئات سوى مستويات عالية من الجريمة في أشكالها المتعددة من سرقة واعتداءات ودعارة إلى آخره.

وفي هذا السياق يصبح كل ما يرتبط باسم العربي والمسلم هو الجريمة والسرقة والإرهاب... إلخ من تلك التهم الجاهزة التي يتبناها الساسة وترددها وتتداولها أجهزة الإعلام الفرنسية المختلفة.

لا يقف الأمر عند هذا المستوى، بل إنه يتجذر في سلوكيات الحياة اليومية، حيث رفض تعيين العرب في الكثير من الوظائف الجيدة والمتاحة. وفي أحيان كثيرة يتم الرفض من خلال التحقق من الإسم؛ فإذا كان صاحب الاسم محمد أو أحمد فإنه لن يحصل على الوظيفة،

إضافة إلى ذلك يلعب لون البشرة دوراً كبيراً في التمييز ضد المهاجرين؛ فأصحاب البشرة الداكنة أو السوداء لن يحصلوا على وظيفة جيدة قدر ما يحصلون على الوظائف الهامشية التي لا يرغب الفرنسيون في العمل بها.

لا يقف التمييز عند هذا الحد، بل إنه يتعداه إلى الامتهانات اليومية التي يتعرض لها العرب والمسلمون في فرنسا، حيث بذاءات الفرنسيين العنصرية الموجهة إلى هؤلاء المهاجرين المفروض أنهم حاملون للجنسية الفرنسية.

إضافة إلى ذلك، لا يتمتع هؤلاء المهاجرون بأى تمثيل سياسي في الحكومة الفرنسية، كما أن القليل منهم يحصل على بعض الوظائف العليا في الإدارات الحكومية مقارنة بما عليه الحال بالنسبة للفرنسيين البيض، كما أنهم لا يتمتعون بأي وجود في الإعلام الفرنسي على كافة مستوياته.

تزداد مأساة هؤلاء المهاجرين الفرنسيين في ضوء الادعاءات التي يواجهونها من قبل الحكومات الفرنسية المتعاقبة اليمينة واليسارية على السواء عن حقوق المواطنة والمساواة أمام القانون. فالخطاب الفرنسي الرسمي يسير في واد وممارسات الحكومات الفرنسية تسير في واد آخر.

فطوال العقود الثلاثة الماضية لم تقدم أي من الحكومات الفرنسية المتعاقبة سياسة ناجعة لتمكين هؤلاء المهاجرين من الاندماج الحقيقي في المجتمع الفرنسي؛ حيث اختارت لهم أن يعيشوا على أطراف باريس في تلك الكانتونات المزرية، وفي ظل ظروف لا إنسانية، مؤكدة غالبا على الحلول الأمنية في مجال مكافحة الجريمة وملاحقة هؤلاء المهاجرين.

وربما جاءت تصريحات وزير الداخلية الفرنسي نيقولا ساركوزي التي أدلى بها عن هؤلاء الذين قاموا بأعمال الشغب في ضواحي باريس، حينما وصفهم بالحثالة، معبرة إلى حد كبير عن عقلية عنصرية متجذرة في الإدارة الفرنسية الحالية، وربما جاء ذلك التصريح منسجما ومعبرا عن المزاج الفرنسي الشعبي بشكل عام.

وفي رأيي أن أعمال العنف التي اندلعت في فرنسا بشكل غير مسبوق، لم ترتبط بشكل أساسي بالرغبة في الحصول على وظائف جيدة أو مستوى سكني ومعيشي لائق بقدر ما ارتبطت بالرغبة في استعادة الكرامة المفقودة وتأكيد الحق في العيش داخل مجتمع لا تعرف هذه الأجيال سواه.

لم تكن المسألة بالنسبة لمثيري العنف مسألة اقتصاد بقدر ما كانت مسألة كرامة وانسانية، وكأن هؤلاء الثائرين العفويين يستعيدون كرامتهم مع كل سيارة تحترق، ومع كل حجر يقذفون به قوات الشرطة.

ربما لم تفق الحكومة الفرنسية بعد من حجم العنف الموجه ضدها، وربما لم تستوعب أيضاً حجم الشماتة الصحافية الأميركية الموجهة ضدها هذه الأيام، لكن الأمر الأهم المطلوب أن تستوعبه الآن هو أن ثورة الباحثين عن الكرامة لن تقف عند هذا الحد، وأن الأمر يستدعي حلولا جذرية تساوي بين كل المواطنين الفرنسيين، ليس في شعارات الثورة الفرنسية فقط، ولكن أيضا في استحقاقات الكرامة الإنسانية.