مواطن يقتل، الشرطة تطارد شابين متهمين، يختبئان، يحاصران، يلجآن إلى غرفة فوق سطح بناية، تستمر المطاردة، يصعقهما التيار الكهربائي، يقضيان.

يمكن لهذه القصة ان تحصل في كل بلد، ان تنتهي باستكشاف الوقائع، وان يأخذ العدل مجراه، لكن هذه القصة نفسها، في فرنسا، فجرت مواجهات في ضواحي المدن، او مدن الضواحي، كادت تتحول إلى »حرب شوارع«. فالشابان مهاجران، او من اصول مهاجرة، والشرطة تعمل بأوامر وزير الداخلية سليط اللسان نيكولا ساركوزي. وشبان هذه الأحياء يعيشون أوضاعا قلقة. لقد كانت الغابة جافة إلى حد ما فأمكن لعود ثقاب ان يشعلها.

اندلعت مواجهات ليلية متكررة، هاجمت الشرطة القائمين بالشغب، وهاجم هؤلاء بدورهم، محطات الاتوبيس والمباني العامة، واحرقوا السيارات ورشقوا الحجارة وقنابل المولوتوف، اعتدوا على رموز الدولة وعلى ملكيات خاصة،

نهبوا متاجر ولم يردعهم اعتقال المئات منهم، باختصار شهدت فرنسا موجة عنف، على خلفية عرقية، لم يسبق لها مثيل، فالمنتفضون هم أبناء الهجرة من إفريقيا وبلدان المغرب العربي، ومع ان الإعلام الفرنسي اشار إلى هذه الخلفية فتولد خط التعمد في التقليل من أهمية ان الشبان إياهم مسلمون في غالبيتهم.

يقف رجل في مقدمة الأحداث، انه وزير الداخلية نيكولا ساركوزي الذي لا يخفي طموحاته الرئاسية، ولا يتورع عن تحدي الرئيس الحالي جاك شيراك حتى يكاد يصل إلى مطالبته باستقالة مبكرة، ساركوزي صاحب مشروع يخاطب بعض رجال الأعمال الذي يشكون من وطأة تدخل الدولة،

وهو من دعاة التخفف من عبء شبكة الأمان الاجتماعي، كما انه في المقابل او في السياق نفسه من مناصري تشديد القبضة الأمنية، يدرك تماما انه يمثل مصالح اجتماعية معينة ترغب في مزيد من تحرير الاقتصاد ولكنه يدرك أيضا ان الفئات الفرنسية الناخبة والفقيرة تعيش مشكلة أمنية فعلية في أحيائها المكتظة والمهملة

وفي حدتها القاسية وفي العلاقات المتوترة بين مكوناتها وفي تعرضها إلى المضايقات التي يقوم بها نفر من العاطلين عن العمل، المهمشين، الذين أقاموا اقتصادا موازيا يتعيشون عليه، من مزايا الرجل او عيوبه (حسب وجهة النظر) قول الأمور بفظاظة، فهو عندما يتحدث عن هؤلاء الشبان يصفهم بـ»الحثالة«، بـ»الزعران«، وقد سبق له التعهد باستخدام »المبيدات« للتخلص منهم.

يميل بعض الفرنسيين مع اعترافهم بوجود مشكلة إلى تحميل ساركوزي مسؤولية التصعيد ويتهمونه بأنه يفعل ذلك خدمة لطموحه الرئاسي، ولكن معنى الاتهام يتغير عندما يتصرف رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان وكأنه مقتنع به.

فالأخير هو أيضا صاحب طموح رئاسي، وهو الأقرب إلى قلب شيراك الذي يرى فيه وريثا يجدد النيو_ديغولية التي يجافيها ساركوزي.

لم يتدخل رئيس الوزراء في سجال علني مع وزيره الا انه تعمد ان يلجأ إلى ممارسة مختلفة تحاول الجمع بين القمع الرامي إلى فرض هيبة النظام واحترام دولة القانون وبين الحوار المنطلق من الاعتراف بان ثمة مشكلة لا بد من علاجها وان استخدام القبضة البوليسية لا يؤدي إلى نتائج ايجابية.

وفي حين تبرز تباينات ضمن الحكومة فإنها ككل تخضع إلى نوعين من الضغوط. الضغط القادم من أقصى اليمين بقيادة جان ماري لوبن الذي طالب بفرض حالة الطوارئ وترحيل المشاغبين او نزع الجنسية عن من حازها أخيرا، والضغط القادم من اليسار الاشتراكي والشيوعي والحزب الذي يطالب باستقالة وزير الداخلية الذي لا يجيد سوى استخدام لغة القوة.

وكالعادة في مثل هذه الحالات تندلع النقاشات في فرنسا وتتمحور حول عدد من العناوين.أولا: هل يجب تغليب الوقاية أم يجب تغليب القمع؟ تميل المدرسة اليسارية خاصة عندما يكون اليسار في المعارضة إلى المطالبة برؤية جذور المشكلة: البطالة، الهامشية، الفقر، أزمة التنظيم المدني، الاكتظاظ، فشل سياسات الاندماج، يفعل اليسار ذلك مضيفا ان هذه هي وجهة الاهتمام من دون ان يلغي ذلك ضرورة حماية قانون الجمهورية.

اما المدرسة اليمينية فتميل إلى إعطاء الأولوية لفرض القانون والى ما يسمى »التسامح صفر« وتضع المعالجة الاجتماعية في المرتبة الأولى. وفي حين يتهم اليسار اليمين بانه يعامل الشبان بقسوة يتهم اليمين اليسار بأنه يتجاهل الضحايا الحقيقيين وهم في رأيه المواطنون الأبرياء.

ثانيا: يستند السجال السابق إلى رؤيتين فلسفيتين متناقضتين، تركز الأولى على مسؤولية المجتمع والدولة، وتركز الثانية على المسؤولية الفردية.

ثالثا: يدعو تيار إلى الحفاظ على ما يسمى »النموذج الفرنسي« في حين يدعو تيار آخر إلى مراجعة جذرية لهذا النموذج الذي وصل إلى حدوده القصوى ولم يعد يقدم حلولا للمشاكل المستجدة، أما النموذج المشار إليه فمتشكل من عناصر أهمها: الهم الاندماجي، دور الدولة، حماية أنظمة الضمان، مكافحة البطالة، رفض التعددية الثقافية وغيتوات الانعزال...

رابعا: هناك من يرى في الهبة الشبابية رد فعل عفوي ينم عن وجود احتقانات أهلية فيحاول البعض استغلالها، وفي المقابل هناك من يرى في عمليات التخريب فعلا إراديا منظما تقوم به عصابات او شبكات حسنة التنظيم تريد طرد الأمن من مناطق نفوذها حتى تستطيع إقامة نظامها الخاص.

يمكن تغليب الرأي القائل بوجود أزمة اقتصادية اجتماعية وبكونها مسؤولة عن جعل فرنسا أرضاً خصبة لهذا النوع من الانفجارات، ويمكن ان يضاف إلى ذلك ان الهيئات الوسيطة التي لعبت دورا سابقا في امتصاص الهجرات المتعاقبة ودمجها لم تعد بالقوة نفسها (الحزب الشيوعي، النقابات، تنظيمات المجتمع المدني،

المؤسسات الاجتماعية الكنسية)، غير ان الجديد في الأزمة الفرنسية هو أنها باتت تندرج في اطار اعم. هولندا، مثلا، تعيش أزمة من هذا النوع، وكذلك بلدان الشمال الأوروبي فضلا عن ايطاليا واسبانيا، وهناك من رأى في تفجيرات لندن تعبيرا عن أزمة الاندماج وذلك بالرغم من التباينات الكبيرة بين النموذجين البريطاني والفرنسي.

لقد ضجت أوروبا، قبل أسابيع، للمصير البائس الذي لاقاه مئات الأفارقة الذين حاولوا دخولها عنوة عبر سبته ومليلة وثمة أسئلة كثيرة عن إمكانية بناء حصن مغلق للرفاهية في وجه الضغوطات القادمة من الجنوب

حيث لا يتورع المئات عن الموت غرقا في سعيهم إلى دخول الأرض الأوروبية بكلام آخر، لم يعد ممكنا عزل المشكلة داخل البلدان الأوروبية عن مشكلة الهوة المتزايدة بين »الشمال« و»الجنوب«، فكيف اذا أضفنا إلى ذلك التوترات الناجمة عن أزمات الشرق الأوسط وما توحي به من ملامسة لـ»صدام الحضارات«.

كاتب لبناني